وقال بشر بن سعيد: «اتقوا اللّه وتحفظوا من الحديث، فواللّه لقد رايتنانجالس ابا هريرة فيحدث عن رسول اللّه (ص) ويحدثنا عن كعب الاحبار، ثم يقوم فاسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول اللّه عن كعب، وحديث كعب عن رسول اللّه (ص)» ((638))!!

الصحابي ياخذ عن مخبر وينسب للنبي

 
ومن الاشكالات التي تظهر لنا في مرجعية الصحابة: ان هناك من الصحابة  من كان يسمع الحديث من مخبر وينسبه للنبي، كابي هريرة مثلا، يقول ابن قتيبة فيه: «وكان مع هذا يقول: قال رسول اللّه (ص) كذا، وانما سمعه من الثقة عنده  فحكاه». ((639)) اخرج البخاري: عن الزهري قال اخبرني ابو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ان اباه عبد الرحمن اخبر مروان ان عائشة وام سلمة اخبرتاه ان رسول اللّه (ص) كان يدركه الفجر وهو جنب من اهله ثم يغتسل ويصوم ((640)). وقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: اءقسم باللّه عليك لتقرعن اءبا هريرة لانه كان يقول: من اصبح جنبا افطر ذلك اليوم ومروان يومئذ على المدينة. فقال ابو بكرفكره ذلك عبد الرحمن ثم قدر لنا ان نجتمع بذي الحليفة وكانت لابي هريرة هناك ارض فقال عبد الرحمن لابي هريرة: اني ذاكر لك امرا ولولا مروان اقسم علي فيه لم اذكره لك. فذكر قول عائشة واءم سلمة، فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس وهواعلم. ((641)) وفي رواية معمر، عن ابن شهاب ان ابا هريرة لما ذكر له عبدالرحمن قول عائشة «تلون وجهه ((642))».

هذه مشكلة كبيرة جدا في مرجعية الصحابة، وربما كان ياخذ الصحابي من احد الصحابة المنافقين المتظاهرين بالتقوى الذين لا يعلمهم الا اللّه (ومن اءهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) (((643)) وهؤلاء المنافقون يسعون لتشويه صورة الاسلام. فلعل بعض الصحابة اخذوا عنهم ونسبوا الحديث  للنبي (ص) والنبي منه بريء. فكيف نحل هذه المعضلة ؟! وقد ياخذ الصحابي عن مخبر يهودي ممن دخلوا الاسلام ليكيدوا له ككعب الاحبار مثلا.

روى احمد عن ابي هريرة: «ان ياجوج وماجوج ليحفرون السد كل يوم حتى اذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذين عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدافيعودون...».

قال ابن كثير: «لعل ابا هريرة تلقاه من كعب الاحبار، فانه كان كثيراما يجالسه ويحدثه، فحدث به ابو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه انه مرفوع فرفعه...» ((644)).

قال يزيد بن هارون: «سمعت شعبة يقول: ابو هريرة كان يدلس، اي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول اللّه ولا يميز هذا من هذا» ((645)).

قال رشيد رضا حين تكلم عن كعب الاحبار ووهب بن منبه: «ومايدرينا ان تلك الروايات المرفوعة او الموقوفة ترجع اليهما، فان الصحابة غ لم يكونوا يذكرون ما يسمع بعضهم من بعض ومن التابعين على سبيل الرواية والنقل.بل يذكرونه من غير عزو غالبا، وكثير من التابعين كذلك، بل اكثر ما روي عن ابي هريرة من الاحاديث المرفوعة لم يسمعه منه (ص)». ((646)) وقال: «وانا لا آمن ان يكون بعض احاديث ابي هريرة المرفوعة الغريبة المتون  التي لم يصرح فيها بالسماع مما رواه كعب الاحبار، فقد صرحوا انه روى عنه»((647)).

روى مسلم عن ابي هريرة: «اخذ رسول اللّه بيدي فقال: خلق اللّه التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الاحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الاربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس،وخلق آدم (ع) بعد العصر يوم الجمعة في آخر الخلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر الى الليل».

وقد قدح ائمة الحديث في هذا الحديث. قال البخاري: «الصحيح انه موقوف على كعب الاحبار ((648))» ومع ان هذا الحديث من كعب الاحبار الا ان ابا هريرة ينسبه للنبي ويؤكد ذلك بقوله: «اخذ رسول اللّه بيدي»!! وعن ابي هريرة، قال: «سمعت رسول اللّه يحكي عن موسى على المنبر قال: وقع في نفس موسى هل ينام اللّه ؟ فارسل اللّه تعالى اليه ملكا فارقه ثلاثا، واعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وامره ان يحتفظ بهما، فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس احدى القارورتين عن الاخرى، حتى نام نومه فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان» ((649)).

قال ابن كثير: «والظاهر ان هذا الحديث ليس بمرفوع، بل من الاسرائيليات المنكرة، فان موسى (ع) اجل من ان يجوز على اللّه سبحانه وتعالى النوم، وقد اخبر اللّه في كتابه العزيز بانه الحي القيوم لا تاخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الارض» ((650)).

لقد كان ابو هريرة ياخذ عن مخبرين ككعب وغيره وينسب للنبي (ص)دون ذكر لاسم الشخص الذي اخذ عنه، فهل يرضى اللّه ان ناخذ ديننا عن رواة ياخذون عمن هب ودب من اليهود والمنافقين ؟ واذا كانت ام المؤمنين كذبته في قوله عن النبي (ص): «من اصبح جنبا افطر ذلك اليوم» فكيف نامن ان لا تكون احاديث ابي هريرة كهذا ؟ واذا اخطا في هذا الحديث فهو معرض لان يخطئ في غيره.

فالحق ان جعل الصحابة نقلة للسنة امر خطير، وانا لا اريد ان آخذ ديني عن مجهول قد يكون يهوديا ماكرا او منافقا خبيثا.

فعلى علماء الحديث ان يبينوا لناهؤلاء المخبرين الذين كان ياخذ عنهم ابو هريرة حتى نطمئن بانهم ليسوا من اليهوداو المنافقين، ثم ننظر فان لم يقدروا على ذلك فليرحموا انفسهم بالبحث عن مرجعية افضل..

الصحابة يخطئون بالنقل

كان هناك قسم من الصحابة يغلطون بالرواية عن النبي (ص)، وهذا امرخطير، فلربما نقلوا لنا الكثيرمن الروايات المغلوطة، ويتعبد بها الملايين، وهي ليست كما قال النبي، والامثلة على ذلك كثيرة.

عن مطرف قال: «قال لي عمران بن حصين: اي مطرف، واللّه ان كنت لارى اني لو شئت حدثت عن نبي اللّه (ص) يومين متتابعين لا اعيد حديثا، ثم لقدزادني بط ءا عن ذلك وكراهية له، ان رجلا من اصحاب محمد (ص) او من بعض اصحاب محمد (ص) شهدت كما شهدوا وسمعت كما سمعوا يحدثون احاديث ما هي كما يقولون، ولقد علمت انهم لا يالون عن الخير، فاخاف ان يشبه لي كما شبه لهم...» ((651))).

هذه شهادة لصحابي كبير في ان الصحابة كانوا يخطئون في نقل احاديث النبي. وقول عمران هذا يدخل علينا الشك في الاحاديث التي بين ايدينا. فلربمايكون بعضها عن هؤلاء الصحابة الذين كانوا يغلطون. اننا لو علمنا اسماءهم اوعلمنا رواياتهم لربما يحل الاشكال بورود رواياتهم عن طريق آخر، ولكن للاسف لا نستطيع احراز اسمائهم ولا رواياتهم.

فكيف يطمئن المسلم بجعل هؤلاء الصحابة همزة الوصل بينه وبين منبع تعاليم الاسلام ؟! وكيف يطمئن بكل الاحاديث التي وصلت الينا مما قد تكون من الاحاديث الخاطئة ؟! وهل يمكن القول ان اللّه غ وهو الحريص على ايصال دينه الى عباده بصورة صحيحة وضع لنا بعد نبيه (ص) مرجعية تخطئ في النقل ؟! لااعتقد ان مسلما يقول ذلك.

قال زيد بن ثابت: «لعل كل شيء حدثتكم به ليس كما حدثتكم»!!!((652)) ان زيدا يدعونا الى التشكيك في كل احاديثه التي وصلت الينا، فلاندري كيف ناخذ باحاديثه بعد هذا ؟ انني لا استطيع ان آخذ ديني عن زيد بن ثابت بعد شهادته هذه على نفسه.كما ان كل حديث مرسل يواجهنا سنفترض انه ماخوذ عن زيد وسنشكك به لانه قد لا يكون كما حدثهم به!! وانني ارى في قول زيد هذا اكبر عائق يقف امامنا ويمنعنا عن جعل زيدوالصحابة مراجعنا بعد النبي (ص). فاذا شك زيد في احاديثه وهو من علماءالصحابة فهذا الشك وارد في حق الصحابة الاخرين ممن هم اقل حفظا وضبطاللحديث من زيد!! وروي: انه بلغ عائشة قول ابن عمر: «في القبلة الوضوء»، فقالت: كان رسول اللّه (ص) يقبل وهو صائم، ثم لا يتوضا». ((653)) هذا صحابي آخر يعتبر من المكثرين، له في كتب السنن 2630 حديثا وقداخطا في نقل حديث النبي (ص) وعكس المعنى حتى اصلحت قوله ام المؤمنين.ولولاها لنقل الينا هذا الحديث على صورته المقلوبة!! فاذا كان ابن عمر يخطئ في الرواية عن النبي (ص) فكيف نطمئن بالاخذعنه ؟ فربما روى احاديث خاطئة كما فعل في الحديث السابق ووصلت الينا رواياته على انها من الاسلام! اليس هذا امرا جائزا ومحتملا ؟ فالامثلة على ذلك كثيرة.

اخرج احمد عن ابن عمر انه قال: وقف رسول اللّه (ص) على القليب يوم بدرقال: يافلان يافلان هل وجدتم ماوعدكم ربكم حقا اما واللّه انهم الان ليسمعون كلامي. قال يحيى: فقالت عائشة: غفر اللّه لابي عبد الرحمن انه وهم انما قال رسول اللّه (ص): انهم ليعلمون ان الذي كنت اقول لهم حقا ((654))...

واخرج احمد عن عائشة انه بلغها ان ابن عمر يحدث عن ابيه عمر بن الخطاب ان رسول اللّه(ص) قال: «الميت يعذب ببكاء اهله عليه». فقالت:يرحم اللّه عمر وابن عمر فواللّه ما هما بكاذبين ((655)) ولا مكذبين ولا متزيدين،انما قال ذلك رسول اللّه (ص) في رجل من اليهود ومر باهله وهم يبكون عليه، فقال: «انهم ليبكون عليه وان اللّه ليعذبه في قبره». ((656)) وفي «الانصاف» لشاه صاحب، فقضت عائشة بانه لم ياخذ الحديث على وجهه ((657)).

لقد اخطا ابن عمر في نقل حديث قليب بدر، وكذا اخطا عمر بن الخطاب في نقل حديث «الميت يعذب ببكاء اهله» فمع ان الحديث جاء في رجل من اليهودالا ان عمر حدث به على انه من نصوص الاسلام، ونقله ابن عمر وحدث به عن ابيه الى ان صححت له عائشة الحديث.

الا ترى ان اعتماد هكذا مرجعية بعدالنبي فيه خطر على تعاليم الاسلام ونصوصه ؟! وهل يعقل ان يختار اللّه لتبليغ دينه من يقلب نصوصه راسا على عقب  ولو بدون قصد ؟! من عقل ذلك فهو يتهم اللّه بانه فرط في دينه، اذ رضي ان يجعل حملته قاصرين عن فهم النص وملابساته.

ان هذه الاشكالات التي وقع فيها ابن عمر وابوه تجعلنا نشك في احاديث عمر وابنه، واذا صححت لهم عائشة بعض احاديثهم فلا نضمن انها صححت لهم كل احاديثهم. مع انها هي ايضا عرضة للخطا والسهو فهي غير معصومة! وقد يرد البعض علينا امام هذه الاشكالات بقوله: اذا وردت احاديث عمروابنه من طرق اخرى فسيحل الاشكال. ويبدو ان هذا الحل غير مجد، فماذا نفعل بالاحاديث التي تفرد بها عمر وابنه ؟! بل قل: واحاديث بقية الصحابة التي تفردوابها ؟! فالذي وقع فيه عمر وابنه قد يقع فيه غيرهم.

اخرج البخاري عن عبداللّه بن عمر ان رسول اللّه (ص) قال: «ان بلالايؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن ام مكتوم». ((658)) «هذا الحديث مما استدركت به عائشة على ابن عمر وكانت تقول: غلط ابن عمر، وصحيحه: ان ابن مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال»((659)).

وروي ان ابن عمر «كان يقول: اعتمر رسول اللّه (ص) عمرة في رجب،فسمعت بذلك عائشة فقضت عليه بالسهو» ((660))!! واخرج احمد: قال عبداللّه بن عمر: «قال رسول اللّه (ص): الشهر تسعة وعشرون، وصفق بيديه مرتين، ثم صفق الثالثة وقبض ابهامه. فقالت عائشة:غفر اللّه لابي عبدالرحمن انه وهم، انما هجر رسول اللّه (ص) نساءه شهرا فنزل لتسعة وعشرين فقالوا: يا رسول اللّه انك نزلت لتسعة وعشرين فقال: ان الشهريكون تسعة وعشرين» ((661))).

وهكذا لو لم تصحح عائشة هذا الحديث لابن عمر لحلت مشكلة الهلال في رمضان، ولكان العيد بعد اليوم التاسع والعشرين مباشرة ولصمنا تسعة وعشرين يوما لا نزيد عليها وان لم ير هلال رمضان كما كان يفعل ابن عمر ((662)).

ان هناك الكثير من الاحاديث التي لم تصححها عائشة لابن عمر، فماذا نفعل بها، الا يحتمل فيها الخطا كما حصل عنده في احاديثه السابقة ؟! اعتقد ان طريق الخلاص من هذه المشكلة واضح للعيان، وهو اتباع المرجعية التي جعلها اللّه لنا بعد نبيه وهي ليست مرجعية الصحابة.

عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث انه كان عند معاوية وفد من قريش، فقام معاوية فحمد اللّه، ثم قال: «بلغني ان رجالا منكم يتحدثون احاديث ليست في كتاب اللّه ولا تؤثر عن رسول اللّه فاولئك جهالكم»((663)).

اذا كانت هذه الاحاديث التي يروونها لا تؤثر عن رسول اللّه، فمن يضمن لناان لا تكون قد وصلت الينا ؟! فالاحرى بكل مسلم عاقل ان يترك مرجعية الصحابة التي تخطئ في نقل السنن وان يبحث معنا عن المرجعية التي وضعتها السماء لحفظ الاسلام واسعادالبشرية.

صحابة مشكوك في روايتهم روي عن ابي حنيفة انه قال: «اقلد جميع الصحابة ولا استجيز خلافهم براي الا ثلاثة نفر: انس بن مالك وابو هريرة وسمرة.

فقيل له في ذلك. فقال: اما انس فاختلط في آخر عمره.وكان يستفتى فيفتي من عقله، وانا لا اقلد عقله، واما ابو هريرة، فكان يروي كل ما سمع من غير ان يتامل في المعنى، ومن غير ان يعرف الناسخ والمنسوخ»((664)).

هذا انس قد خلط في آخر عمره وافتى من عقله بشهادة ابي حنيفة الذي ادركه وسمع منه، فهل يستطيع احد ان يميز لنا الاحاديث التي رواها انس قبل ان يخلط عن تلك التي رواها بعد ان خلط ؟!! فلربما وصل الينا عنه بعض من احاديثه التي قالها بعد ان خلط ونقلها الرواة على انها صحيحة، اليس هذا امرا محتملا ؟ فكل حديث رواه انس، ليس له طريق آخر ينبغي لنا التوقف عنده لانه قد يكون من عقله. وليس هذا فحسب، بل ان الاحاديث المرسلة وهي التي كان ياخذهاالصحابة عن بعضهم البعض وينسبوها للنبي دون ذكر لاسم الصحابي الذي اخذواعنه هذه الاحاديث المرسلة وما اكثرها نحتمل في كل حديث يواجهنا منها على انه قد يكون ماخوذا عن انس!! وبعد هذا، هل يجيز المسلم لنفسه الاعتماد على هكذا رواة ؟ وهل حدث في منطق الرسالات الالهية ان بعث اللّه سفيرا قد اختلط عقله ؟! فالحق ان المسلم الغيور على دينه لا يلج من هذا الباب بحثا عن الاسلام! وروي ان الشافعي «اسر الى الربيع ان لاتقبل شهادة اربعة من الصحابة،وهم: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد»!! ((665)) اما الصحابة المشكوك في الثقة برواياتهم فهم كثر، ونكتفي هنا بواحد وهوابو هريرة. وقد انكر عليه السلف رواياته وشكوا في صحتها. قال له عمر:«لتتركن الحديث عن رسول اللّه (ص) او لالحقنك بارض دوس» ((666))وقال له بعد ان ضربه بالدرة: «اكثرت يا ابا هريرة، واحرى بك ان تكون كاذباعلى رسول اللّه (ص)» ((667)).

وارسل عثمان يقول لابي هريرة:«لقد اكثرت،لتنتهين او لالحقنك بجبال دوس»((668)).

وقال علي (ع) فيه: «الا اكذب الناس على رسول اللّه (ص)ابو هريرة الدوسي» ((669)) وكان ابو هريرة يقول: «حدثني خليلي، ورايت خليلي،وقال لي خليلي رسول اللّه، فبلغ عليا ذلك فقال له: متى كان النبي خليلك يا اباهريرة ؟! قال ابن قتيبة: «وكان علي سيء الراي فيه» ((670)).

وقال: خالفت عائشة ابا هريرة وانكرت عليه في اكثر من موضع. ففي حديث من اصبح جنبا كذبته عائشة وكذا ام سلمة ورجع ابو هريرة الى قولهما.وروى ابو هريرة حديثا في النهي عن المشي بالخف الواحد، فبلغ عائشة ذلك فمشت بخف واحد وقالت: لاخالفن ابا هريرة» ((671)).

وقال ابراهيم النخعي امام العراق، وقيل عنه: انه كان صيرفيا في الحديث: «كان اصحابنا يدعون من حديث ابي هريرة.

وعنه قال: ما كانواياخذون بكل حديث ابي هريرة. وعن الاعمش قال: كان ابراهيم صحيح الحديث فكنت اذا سمعت الحديث اتيته فعرضته عليه، فاتيته يوما باحاديث من احاديث ابي صالح عن ابي هريرة فقال: دعني من ابي هريرة انهم كانوا يتركون كثيرا من احاديثه» ((672)).

وقد مرت بك ايها القارئ شهادة الامام ابي حنيفة في ابي هريرة فلا تنسها.واكد ابن قتيبة في رده على النظام ان الصحابة والسابقين الاولين اتهموه وانكرواعليه، وكانت عائشة اشدهم انكارا عليه ((673)).

وقال الامدي: «انكر الصحابة على ابي هريرة كثرة روايته وذلك لان الاكثار لا يؤمن معه اختلاط الضبط الذي لا يعرف لمن قلت روايته» ((674)).

وقال ابن الاثير: «اما رواية ابي هريرة فشك فيها قوم لكثرتها»((675)).

وقال الاستاذ مصطفى صادق الرافعي فيه: «... كان عمر وعثمان وعلي وعائشة ينكرون عليه ويتهمونه، وهو اول راوية اتهم في الاسلام، وكانت عائشة اشدهم انكارا عليه» ((676)).

وقال المحدث رشيد رضا: «لو طال عمر عمر حتى مات ابو هريرة لماوصلت الينا تلك الاحاديث الكثيرة» ((677)).

وقال احمد امين عنه: «وقد اكثر الصحابة من نقده على الاكثار من الحديث عن رسول اللّه (ص) وشكوا فيه...». ((678)) وقد اعترف ابو هريرة بتكذيب الناس له. روى مسلم عن ابن رزين قال:«خرج علينا ابو هريرة فضرب بيده على جبهته فقال: انكم تقولون اني اكذب على رسول اللّه لتهتدوا واضل...» ((679)) فاهل القرون الاولى كذبوا ابا هريرة باعترافه بنفسه! فبعد هذا، كيف يمكن لنا الاطمئنان بصحة روايات ابي هريرة الكثيرة ؟!وكيف نجعله سفيرا بيننا وبين النبي (ص)، وقد كذبه السلف الصالح باعترافه ؟!وهل يعقل ان اللّه اختار ابا هريرة لتبليغ دينه، بعد ان طعن فيه السلف، وبعد ان نسب اقوالا للنبي هي لكعب الاحبار، وبعد ان رفع للنبي قولا هو من اقوال الجاهلية ؟! افتونا يا اولي الالباب.

الصحابة يروون عن اهل الكتاب كان هناك من الصحابة من يحدث عن اهل الكتاب، وينقل حديثه على انه من الاسلام، ومن هؤلاءعبد اللّه بن عمرو بن العاص.

قال ابن حجر عنه: «انه قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب اهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنب الاخذ عنه لذلك كثير من ائمة التابعين» ((680)).

يظهر من كلام ابن حجر هذا ان ابن عمرو كان يحدث عن الرسول والزاملتين. وقد التبس على السامعين مصدر كلامه، لذلك تجنب الاخذ عنه كثيرمن ائمة التابعين على حد تعبير ابن حجر. وكان عند عبداللّه بن عمرو بن العاص مائتا زاملة وكان يحدث منها لمن نزل عليه من الناس! ((681)) وقال الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره: «ان عبداللّه بن عمرو اصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب اهل الكتاب فكان يحدث منهما» ((682)). وقال ابن كثير عن الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة عن عبداللّه بن عمرو بن العاص مرفوعا: «ان الاشبه ان يكون موقوفا على عبداللّه بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين اصابهما يوم اليرموك من كلام اهل الكتاب»! فكلام ابن كثير هذا يؤكد قولنا: ان عبداللّه كان يحدث عن الزاملتين وينسب حديثه للنبي (ص)، او ان الراوي عن عبداللّه لا يميز مصدر كلامه، اهو من النبي (ص) ام من الزاملتين ؟ وفي كلا الاحتمالين ضرر فادح على نصوص الاسلام.

تامل طويلا في هذه العقبة الجديدة ؟ فهذا عبداللّه بن عمرو بن العاص احدالعبادلة الاربعة واحد علماء الصحابة الذين يعتمد عليهم في الرواية ينقل من الزاملتين! اليس هذا هو الذي فتح باب الاسرائيليات الى تراثنا الاسلامي وكان سلاحا بيد اعداء الاسلام ؟ «والباحث المتثبت والناقد البصير لا ينكر ان الكثير من الاسرائيليات دخلت الاسلام عن طريق اهل الكتاب الذين اسلموا، وكذلك لا ينكر اثرهاالسيء في كتب العلوم وافكار العوام من المسلمين وما جرته على الاسلام من طعون اعدائه». ((683)) ماذا سيفعل المسلم للتاكد من سلامة تعبده ومعرفته بدينه ؟ ايعتمد في ذلك على الروايات المنقولة من زاملتي عبداللّه بن عمرو ؟ ومن يدري ؟ فلعل قسما من احاديثه كان من زاملتيه، اذ ثبت انه كان يتحدث منهما. ان جعل عبد اللّه واسطة بيننا وبين النبي تجعلنا في ريب من مروياته، فهل هي عن النبي (ص) حقا او من الزاملتين ؟! فمن يريد لنا ان ناخذ عن عبداللّه، عليه ان يفصل الروايات التي رواهاعبداللّه من اهل الكتاب عن الروايات التي رواها عبداللّه عن النبي!! لا اعتقد ان احدا يستطيع بيان ذلك، وان فعل فستبقى محاولته ناقصة وظنية...ولا اعتقد ان اللّه يريد لنا ان نسلك هذا الطريق الوعر. فاللّه بلطفه ارسل لنا سفراء معصومين من الخطا حتى تصل الينا تعاليم السماء بصورة صحيحة.

فحاشاك ربي ان تترك دينك بين يدي عبداللّه الذي ياخذ عن اهل الكتاب وبين يدي ابي هريرة، وانس الذي اختلط عقله...

الصحابة ينسون لقد نسي بعض الصحابة ما اخذ عن النبي (ص)، ومن هؤلاء زيد بن ارقم،فعن يزيد بن حيان قال:«انطلقت انا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم الى زيد بن ارقم، فلما جلسنا اليه قال له حصين:... لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول اللّه (ص). قال: يا ابن اخي، واللّه لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت اعي من رسول اللّه (ص).

..» ((684)).

ان زيد بن ارقم يعترف على نفسه انه نسي بعض الذي كان يحفظه عن النبي (ص) وهو معدود من كبار الصحابة، فلابد من ان مثله الكثير.

الاشكال الذي يرد الان هو: كيف يختار اللّه لتبليغ دينه من ينسى ماائتمنه عليه((685)).

ان نظرة واحدة الى انبياء اللّه تكفي لاعطائنا فكرة واضحة عن صفات المبلغين عن اللّه. فلم يحدث ان عهد اللّه برسالته الى انسان علم انه سينسى ما هومامور بتبليغه، فاللّه غ وحفاظا على دينه من التغيير والنسيان اشترط العصمة في انبيائه.

ومن يضمن لنا ان لا يكون زيد بن ارقم قد تحدث بعد ان كبر ونسي ؟ اليس من الممكن ان يتحدث زيد بعد نسيانه ؟ اذا جاز هذا فمن يضمن لنا ان لا تكون رواياته البالغة 70 رواية من هذا القبيل ؟ نحن لا نعني جميعها، ولكن كل حديث ليس له شاهد نحتمل فيه ان يكون من نسيانه. فمن يستطيع ان يميز لنا روايات زيدقبل نسيانه من رواياته بعد نسيانه ؟! ولو افترضنا حل هذا الاشكال فماذا نفعل بالروايات المرسلة التي كان ياخذها الصحابة عن بعضهم البعض وينسبونها للنبي دون ذكر لاسم الصحابي الذي اخذوا عنه ؟! فكل حديث مرسل ومراسيل الصحابة حجة نحتمل فيه ان يكون ماخوذا عن زيد بن ارقم بعد نسيانه فماذا نفعل بهذه المعضلة ؟! الصحابة يخطئون في الجواب كان الصحابة يخطئون في فهم بعض الايات القرآنية، وكانوا يخطئون في الاجابة عن المسائل الشرعية،وفي تنفيذ الحدود الشرعية. وكل هذه السلبيات مرفوعة عن حملة دين اللّه، فمن يتصدى لمهمة بيان الدين عليه ان يكون عارفا بجميع احكام الاسلام، وعدم توفرهذه الصفة في شخص المرجع بعد النبي، فيه ما فيه من الخطورة على احكام الاسلام وحقوق العباد. ولا يامن المسلم بدون هذه الصفة من ان ياتيه الدين صحيحا،والامثلة القادمة توضح ما قلنا خير توضيح.

سئل ابو بكر عن قول اللّه تعالى: (وفاكهة وابا ) ((686)) فقال: «اي سماء تظلني واي ارض تقلني ان اقول في كتاب اللّه بما لا اعلم». ((687)) وسئل ابو بكر عن الكلالة فقال: «اني ساقول فيها برايي، فان كان صوابافمن اللّه، وان كان خطا فمني ومن الشيطان...». ((688)) قال ابن سيرين: «ان ابا بكر نزلت به قضيه فلم يجد في كتاب اللّه منهااصلا، ولا في السنة اثرا، فاجتهد رايه، ثم قال: هذا رايي، فان يكن صوابا فمن اللّه، وان يكن خطا فمني واستغفر اللّه» ((689)).

وورد ان عمر بن الخطاب تلا هذه الاية: (فانبتنا فيها حبا وعنبا وقضباوزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وابا ) قال: «فكل هذا قد عرفناه فماالاب ؟ ثم نقض عصا كانت في يده، فقال: هذا لعمر اللّه التكلف! اتبعوا ما تبين لكم هداه من هذا الكتاب» ((690)).

واخرج مسلم في صحيحه ان رجلا اتى عمر، فقال: اني اجنبت فلم اجدماء، فقال: لا تصل. فقال عمار: اما تذكر يا امير المؤمنين اذ انا وانت في سرية فاجنبنا فلم نجد ماء، فاما انت فلم تصل، واما انا فتمعكت في التراب وصليت،فقال النبي (ص): «انما كان يكفيك ان تضرب بيديك الارض، ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك!» فقال عمر: اتق اللّه يا عمار! قال: ان شئت لم احدث به»((691)).

واخرج البيهقي عن الشعبي، قال: «خطب عمر بن الخطاب (ع) الناس فحمد اللّه واثنى عليه، وقال: الا لا تغالوا في صداق النساء، فانه لا يبلغني عن احدساق اكثر من شيء ساقه رسول اللّه (ص) او سيق اليه، الا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل، فعرضت له امراة من قريش، فقالت: يا امير المؤمنين اكتاب اللّهتعالى احق ان يتبع او قولك ؟ قال: بل كتاب اللّه ؟ فما ذاك ؟ قالت: نهيت الناس آنفاان يغالوا في صداق النساء، واللّه تعالى يقول في كتابه: (وآتيتم احداهن قنطارافلا تاخذوا منه شيئا ) ((692)). فقال عمر (ع): كل احد افقه من عمر.

مرتين او((693))ثلاثا».

وفي رواية قال عمر: «امراة اصابت ورجل اخطا» ((694)).

وفي رواية اخرى قال: «كل احد اعلم من عمر» ((695)).

وفي اخرى قال: «ان امراة خاصمت عمر فخصمته» ((696)).

واءتي عمر بن الخطاب بامراءة حامل قد اعترفت بالفجور فامر برجمهافتلقاها علي فقال: ما بال هذه ؟ فقالوا: امر عمر برجمها فردها علي وقال: هذاسلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها ؟ ولعلك انتهزتها او اخفتها ؟ قال: قدكان ذلك. قال: اوما سمعت رسول اللّه (ص) قال: «لا حد على معترف بعدبلاء». انه من قيد او حبس او تهدد فلا اقرار له».

وخلى سبيلها، ثم قال:عجزت النساء ان تلدن مثل علي بن ابي طالب، لولا علي لهلك عمر» ((697)).

وفي حادثة مشابهة لهذه، قال عمر: كل احد افقه مني، ثلاث مرات.

((698))وعن مجاهد قال: قدم عمر بن الخطاب الشام فوجد رجلا من المسلمين قتل رجلا من اهل الذمة فهم ان يقيده، فقال له زيد بن ثابت: اتقيدعبدك من اخيك فجعله عمر دية». ((699)) واخرج البيهقي «ان عثمان بن عفان (ع) اتى بامراة قد ولدت في ستة اشهرفامر بها ان ترجم، فقال علي بن ابي طالب (ع): «ليس ذلك عليها قال اللّه تبارك وتعالى (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) ((700)) وقال (وفصاله في عامين ) وقال (والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين ) فالرضاعة اربعة وعشرون شهر والحمل ستة اشهر، فامر بها عثمان ان ترد فوجدت قدرجمت ((701))» ((702)).

وهكذا كان الحال مع بقية الصحابة الا من جعل منهم امناء على الشريعة،وكانوا يصححون اخطاء الخلفاء بعدما اءقصوا عن مراتبهم التي وضعهم اللّه فيها.

وبعد هذا فلنتامل في هذه المعضلات. ان ابا بكر لم يعرف معنى كلمة «الاب» مع ان الاية نفسها تفسر هذه الكلمة، قال تعالى: (وفاكهة وابا متاعالكم ولانعامكم ) ((703))! فالفاكهة طعام للانسان، والاب طعام للانعام، فهل ترى في هذا اي غموض ؟ ويسال ابو بكر عن الكلالة، فلا يدري ما اذا كان قد اصاب القول فيها ام لا. ولم يعرف ابو بكر حد السرقة بعد قطع اليد والرجل حتى اعلمه عمر بذلك، مع علمنا في ان من المفترض، ان تكون هذه الامور من البديهيات عند خلفاءالمسلمين، فهم المخولون في القضاء بالدماء والانفس والاعراض.

لقد اشكلت على عمر بن الخطاب كلمة «الاب» ومات عمر وفي نفسه ان يعرف معنى الكلالة. كما خفي عليه حكم الجنب فاقد الماء، وبعد ان ذكره عماربالتيمم، قال: اتق اللّه يا عمار.

وكان عمارا ارتكب جرما! فهل في حكم التيمم غموض ما، حتى يخفى على من لازم رسول اللّه (ص) ؟! فلا ادري كيف يصدق المسلم بان اللّه حمل امانته العظمى التي لم يحملها الا افضل الخلق من لا يعرف اوليات الاسلام من التيمم...

اما عثمان فقد امر برجم امراة بدليل انها وضعت لستة اشهر، وهذا غير جائزشرعا. وقصة النبي (ص) مع المراة الغامدية معروفة. فقد تركها النبي حتى بلغ ابنهاسنتين ثم رجمها.

وتكررت هذه الحادثة في عهد عمر بمحضر الصحابة وعثمان،فلماذا لم يمهلوا المراة حتى يبلغ ابنها سنتين هذا مع انها بريئة. فهل خفيت هذه الحوادث على عثمان والصحابة ؟! هذه الحقائق لا يستطيع احد انكارها ؟ ان الصحابة انفسهم يحتاجون الى من يدلهم، فهم يفتقرون الى الجواب في المسائل الواضحة!! واذا اجابوا قد يخطئون،فكيف يفتون الناس وهم لا يعلمون ؟ وكيف يسقون غيرهم وهم عطشى ؟ ان اللّه لا يقبل بهكذا سفراء. ولم يحدث في تاريخ الرسالات الالهية: ان بعث اللّه نبيا لا يدري ما يجيب به اتباعه. او يجيبهم بشكل خاطئ كما كان يفعل الصحابة. ولو قلنا: ان اللّه رضي ان يبين الصحابة دينه للناس لكان مجيزا ان ياخذالناس احكامهم بشكل خاطئ، وهذا هو الباطل عينه.

فعلى المسلم ان يبحث عن قناة سليمة تربطه بالنبي (ص) والاسلام.

بين الصحابة منافقون ومرتدون مما لايخفى على كل مسلم ان النفاق انتشر في عهد النبي (ص)، وكان يزدادقوة بازدياد قوة المسلمين.والقسم الاكبر من هؤلاء المنافقين لا يعلمهم الا اللّه، قال تعالى: (ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) ((704))، وقال تعالى:(وممن حولكم من الاعراب منافقون )((705)).

بالاضافة الى ان هناك عددا غير قليل من الصحابة كانوا قد ارتدوا بعد وفاة النبي (ص). فالاشكال الذي يرد الينا هنا هو: ان كل صحابي من هؤلاء المنافقين والمرتدين سمع من النبي (ص) شيئا لم يسمعه صحابي غيره، ولهذا فالسنن التي تفردبها هؤلاء الصحابة قد لا تصل الينا بسبب حقدهم على الاسلام، فربما حدث ان تعرض الصحابة لمسالة ما فطرحوها على مسامع الناس لعل عند احدهم نصا من النبي (ص)، فكان النص عند صحابي منافق او مرتد ولكنه اسره في نفسه ولم يخرجه، اليس هذا من المحتمل حصوله ؟! وكذلك قد لا تصل الينا بعض السنن التي تفرد بها بعض الصحابة بسبب انشغالهم بالحروب او بسبب قلة الرواية عنهم، يقول محمد زهو في كتابه الحديث والمحدثون: «الاشتغال بالخلافة والحروب عاق كثيرا من الصحابة من تحمل الحديث وروايته، كما في الخلفاء الاربعة وطلحة والزبير» ((706)).

ان هذه السنن التي نحتمل بقاءها في صدور المنافقين والمرتدين والمنشغلين بالحروب، قد يكون فيها الناسخ والمقيد والمخصص والمفسر، وهذا يوقعنا في مشكلة كبيرة.

فمن يدري ؟ فلعلنا نمارس بعض الاحكام المنسوخة او المخصصة اوالمقيدة بالسنن التي بقيت في صدور هؤلاء الصحابة ((707)).

فهل يقبل اللّه بهذا ؟ هل يرضى ان نمارس حكما منسوخا او مقيدا اومخصصا ؟ ولعل بعض هذه السنن التي بقيت مع الصحابة المذكورين تعكس جوانب اسلامية مهمة. فكيف يرضى اللّه بان يحمل سنة نبيه لكل الصحابة، وفيهم المنافق الذي لا يظهرها او يزورها وفيهم من سيرتد ويدفن السنن في صدره، وفيهم وفيهم...؟! لذلك وجب القول في ان اللّه غ حفاظا على دينه وسنة نبيه اتخذ اجراءمناسبا لتلافي هذه الاشكالات التي قد تحدث مستقبلا. والذي ظهر لي: ان اللّه عهدالى نبيه (ص) بان يجعل سنته عند شخص يتعهدها ويفهمها، وهذا الشخص ومن خلال موقعه السياسي والديني يقوم بتبليغ السنة للناس. هذا الاحتمال هو الذي يرتضيه العقل والنقل، اما توزيع السنة على مائة واربعة عشر الف صحابي ليبلغوهاللناس ففيه خطر عظيم على السنة، وحسبك دليلا على ذلك ان هناك مائة وعشرة آلاف صحابي لم يصل الينا منهم شيء.

اضف الى ما سبق وجود المنافقين الذين يسعون لهدم الاسلام فكرياوسياسيا... فنسبوا للنبي (ص) احاديث مكذوبة في حياته وبعد مماته، وهذاممكن حدوثه، فالنبي (ص) قد مات وهم مؤمنون في ظاهرهم فليس هناك ما يمنع الاخذ عنهم (واذا رايتهم تعجبك اجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم )! ((708))ربما تكون بعض الاحاديث المرسلة المبثوثة في كتب الحديث ماخوذة عن هؤلاء المنافقين الماكرين ((709))!! وهذه الفجوة التي تصدعت فيهااحقية مرجعية الصحابة بعد النبي (ص) لا يستطيع المحدثون ردمها وان اجتمعواعلى ذلك، لان الرسول (ص) نفسه لم يكن يعلم هؤلاء المنافقين (ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ). ((710)) ولا يمكن التخلص من هذه المعضلة الا بالتاكيد على ان النبي (ص) ولكي يقطع الطريق على هؤلاء الدجالين جعل سنته باءيد امينة، اليس هذا هو الحق المبين ؟! صحابة يساقون الى النار اخرج مسلم عن عبداللّه، قال: قال رسول اللّه (ص): «انا فرطكم على الحوض، ولانازعن اقواما ثم لاغلبن عليهم، فاقول: يا رب اصحابي اصحابي: فيقال: انك لا تدري ما احدثوابعدك» ((711)).

واخرج البخاري عن النبي (ص) قال: «بينما انا قائم فاذا زمرة، حتى اذاعرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلم، قلت: اين ؟ قال: الى النار واللّه،قلت: وما شانهم ؟ قال: انهم ارتدوا بعدك على ادبارهم القهقرى، فلا اراه يخلص منهم الا مثل همل النعم» ((712)).

لقد ثبت في الصحيحين وغيرهما: ان من الصحابة من يدخل النار. ولهذالا نستطيع ان نجعل الصحابة قناة تربطنا بالنبي (ص). اذ كيف ناخذ ديننا عن اهل النار ؟! فلابد من تمييز الصحابة المساقين الى النار من الناجين، ثم نفكر في من يصح الاخذ عنهم. فان قيل ان المساقين الى النار هم المنافقون والمرتدون، قلنا: ان القسم الاكبر من المنافقين لا يعلمهم الا اللّه. فلا يمكن احرازهم. فعدم احرازناللصحابة المساقين الى النار يوجب علينا التوقف في الاخذ عن الصحابة.

وليس في هذا تعطيل للاسلام. بل ان البديل موجود. فليحذر العقلاء من ان يجعلوا اهل النارادلا ء لهم في دين اللّه.

طريقة تلقي الصحابة يقول ابن تيمية: «وقد كان النبي (ص) يحدث، او يفتي او يقضي، اويفعل الشيء، فيسمعه او يراه من يكون حاضرا، ويبلغه اولئك او بعضهم لمن يبلغونه فينتهي علم ذلك الى من شاء اللّه من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ثم في مجلس آخر قديحدث، او يفتي، او يقضي، او يفعل شيئا، ويشهده بعض من كان غائبا عن ذلك المجلس، ويبلغونه لمن امكنهم، فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء،وعند هؤلاء ماليس عند هؤلاء» ((713)).

الاشكال الذي يرد هنا: ان الصحابي قد يسمع حديثا فيرويه فيما بعدويعمل به الناس، ولنفترض ان هذا الصحابي في الشام، ولكن بما انه «عند هؤلاءمن العلم ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء»، فقد يكون لهذاالحديث الذي رواه الصحابي للناس في الشام ناسخ مع صحابي آخر، ولنفترضه رواه لاهل العراق، فيصيب اهل العراق الحكم الاسلامي الصحيح ويخطئه اهل الشام!! وقد يكون للحديث الذي رواه الصحابي في العراق مخصص او مقيد ولكنه لا يعلم بذلك، فيفتي للناس هناك بما عنده فيعمل الناس بالعام والمطلق، بينماالمخصص او المقيد للحديث نفسه عند الصحابي الذي في الشام مثلا! وهكذا.

ان اللّه غ ليس عاجزا عن اختيار طريقة امثل لتبليغ سنة نبيه.

اما نسبة اختيار هذه الطريقة في التبليغ للّه ففيها ما فيها من نسبة الظلم والجهل الى اللّه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، فهذه الطريقة قد تمنع المسلم من اصابة الواقع الشرعي، واللّهقادر على ايصال سنة نبيه بصورة صحيحة بدلا من ان يترك عباده يبحثون في البلدان وفي جبهات القتال عن الناسخ اذا احتمل وجوده او المقيد او المخصص منه،وقد يقطعون مسافات طويلة في سبيل الحصول على جواب فيموتون وفي انفسهم من ذلك شيء.

لذلك نحن نقول: ان هناك شخصا اخذ السنة عن النبي (ص) كاملة، وهوالذي يقوم ببيانها للناس بسهولة ودون عناء، بعيدا عن الاشكالات السابقة.

الصحابة والرواسب الجاهلية لقد عاش عدد كبير من الصحابة اكثر حياتهم في المجتمع الجاهلي، وشاركوااهل الجاهلية في جميع اعمالهم، من واءد البنات وشرب الخمر واءكل الربا و... الى غير ذلك من المحرمات التي حاربها الاسلام. وهذه الملاحظة وحدها تكفي لان تجعلنا نقول: ان اللّه لم يخترهم لبيان دينه.

فاللّه منذ اوجد الانسان لم يبعث له نبيا ولا سفيرا قد شارك قومه عاداتهم المنحرفة، بل كان يختار اناسا هم اكمل الناس، خالين من اية رواسب بيئية منحرفة. هذه سنة اللّه في خلقه (ولن تجد لسنة اللّه تبديلا ) ((714)).

فالسلوكيات التي مارسها الصحابة في الجاهلية لا توجد في القادة الرساليين، ولم يحدث في تاريخ الرسالات الالهية ان اختار اللّه مبلغا عنه بعد ان غرق في سلوكيات قومه المنحرفة.

يروي اهل السنة: ان الرسول (ص) وقبل بعثته اراد ان يلتحق باحدى احتفالات قريش ليشاركهم الشرب واللهو... فانامه اللّه في الطريق ((715))! ويروون ان اللّه بعث ملكين لرسول اللّه (ص) وهو صبي فاستخرجا علقة سوداء من قلبه وغسلاه ونقياه حتى يكون في اعلى درجات الكمال وخاليا من اية رواسب، وتعرف هذه بحادثة شق الصدر ((716)). قال طه عبدالرؤوف سعد في تعليقه على هذه الحادثة: «ان هذا التقديس وهذا التطهير كان مرتين، الاولى في حالة الطفولة لينقى قلبه من مغمز الشيطان، وليطهر ويقدس من كل خلق ذميم حتى لا يلتبس بشيء مما يعاب عليه الرجال، وحتى لا يكون في قلبه شيء... ((717))».

ومع موقفنا الرافض لامكانية حصول وصحة وقوع هاتين الحادثتين الا اننانتساءل: لماذا هذا الاهتمام من اللّه برسوله وحرصه ان لا يمارس سلوكا جاهليا ولولمرة واحدة ؟! الجواب واضح، فالرسول (ص) امامه عملية تغيير كبرى، فحتى ينجح في تنفيذها ويتقبلها الناس: لابد ان يكون خاليا من اية افكار مخالفة لها وحتى يكون مهياء لاستقبال الوحي...

وهذ سنة الهية اتبعها اللّه مع جميع رسله وسفرائه، فكيف يمكن ان يختار اللّهلتبليغ دينه اناسا جسدوا الجاهلية قولا وسلوكا، حتى تشبعت اجسامهم ونمت على الربا وشرب الخمر ؟...! قد يقال: ان الاسلام يجب ما قبله. فنقول: صحيح هذا، ولكن هذا القول مخالف لسنة اللّه في اختيار رسله (ولن تجد لسنة اللّه تبديلا ) ((718)) فلو اختاراللّه الصحابة لبيان دينه لكان والعياذ باللّه مخالفا لسنته في اختيار الانسان الطاهرمن اي انحراف في سلوكه وقوله، كالانبياء (ع) تماما. فكيف يقول اللّه: (ولن تجدلسنة اللّه تبديلا ) ثم يخالف سنته في اختيار سفرائه ممن عاشوا في مستنقع المحرمات لعشرات السنين ؟!! ان من يستقرى ء حياة الصحابة يجد كثيرا من الرواسب الجاهلية قد عاشت معهم بعد الاسلام، كشرب الخمر والزنا واكل الربا ((719))، وهذا الامر يسلب منهم خاصية القيمومة على الدعوة. فالرواسب الجاهلية تؤثر سلبا على الداعية.

اخرج البخاري: ان رسول اللّه (ص) قال: «من يعذرني من رجل بلغني اذاه في اهلي» فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول اللّه، انا واللّه اعذرك منه، ان كان من الاوس ضربنا عنقه، وان كان من اخواننا من الخزرج امرتنا ففعلنا فيه امرك،فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية، فقال: كذبت لعمر اللّه، لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فقام اسيد بن الحضير، فقال: كذبت لعمر اللّه، واللّه لنقتلنه فانك منافق تجادل عن المنافقين، فثارالحيان الاوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ورسول اللّه (ص) على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت ((720)).

واخرج البخاري: «ان رجلا من المهاجرين كسح ((721)) رجلا من الانصار، فقال الانصاري: ياللانصار، وقال المهاجري: ياللمهاجرين، فسمع ذلك رسول اللّه(ص) فقال: «ما بال دعوى اهل الجاهلية ؟!» قالوا: يا رسول اللّهكسح رجل من المهاجرين رجلا من الانصار فقال: «دعوها فانهامنتنة»... ((722))».

نستخلص من هذا «ان من اوليات ما يقتضيه ضمان التطبيق ان يكون القائم على تطبيقها اي الفكرة شخصا تتجسد فيه مبادى ء فكرته تجسدامستوعبا لمختلف المجالات التي تكفلت الفكرة تقويمها من نفسه. ولا نريد من التجسد اكثر من ان يكون صاحبها خليا عن الافكار المعاكسة لها من جهة،وتغلغلها في نفسه كمبدا يستحق من صاحبه التضحية والفناء فيه من جهة اخرى،ومتى كان الانسان بهذا المستوى استحال في حقه من وجهة نفسية ان يخرج على تعاليمها بحال. واذا لم يكن القائم بالحكم بهذا المستوى من الايمان بها وكانت لديه رواسب على خلافها، لم يكن بالطبع امينا على تطبيقها مائة بالمائة، لاحتمال انبعاث احدى تلكم الرواسب في غفلة من غفلات الضمير، واستئثارها في توجيهه الوجهة المعاكسة التي تاتي على الفكرة في بعض مناحيها وتعطلها عن التاثير ككل، وربمااستجاب الراي العام له تخفيفا لحدة الصراع في اعماقه بين ما جد من تعاليم هذه الفكرة وما كان معاشا له ومتجاوبا مع نفسه من الرواسب.

على ان الناس كل الناس لا يكادون يختلفون الا نادرا في قدرتهم على التفكيك بين الفكرة وشخصية القائم عليها...

وبما ان الاسلام يعالج الانسان علاجا مستوعبا لمختلف جهاته الداخلية والخارجية، احتجنا لضمان تبليغه وتطبيقه الى العصمة في الرسول، ثم العصمة في الذي يتولى وظيفته بعده.

..».

((723)) الصحابة يفتون برائهم كان الصحابة يفتون برائهم في الوقائع الشرعية اذا لم يجدوا نصا في كتاب اللّه او سنة نبيه (ص). ونحن نعلم ان الدين قد كمل على عهد النبي (ص)، وبين اللّه كل شيء يحتاجه الناس.

قال تعالى: (اليوم اكملت لكم دينكم ) ((724)) وقال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب((725)) من شيء )، (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ((726))).

فكل شيء حسب منطوق هذه الايات فيه نص. فاذا كان اللّه قد اكمل الدين وبين كل شيء فلماذا يفتي الصحابة برائهم ؟! فهم لم يحرزوا جميع النصوص الصادرة عن النبي (ص) والا لما افتوا برائهم.من هنا نعلم ان الصحابة غير مخولين: بنقل وبيان الدين للناس. فالمفترض بمن يخلف النبي (ص) ان يكون لديه من النصوص ما يكفي لمعرفة احكام الوقائع الشرعية كلها.

الصحابة يعترفون بانهم ليسوا نقلة الاسلام!! ان الصحابة لم يكونوا يرون انفسهم في مرتبة القيمومة على الدعوة التي جعلها اهل السنة لهم.قال ابو مجلز: شهدت ابن عمر والناس يسالونه، فقال: اياكم عني، فاني كنت مع من هو افقه مني، ولوعلمت اني ابقى حتى يفتقر الي لتعلمت لكم!!!». ((727)) فعبارة ابن عمر: «ولو علمت اني ابقى حتى يفتقد لي لتعلمت لكم»اصرح دليل في الرد على الذين جعلوا ابن عمر والصحابة بمرتبة سفراء اللّه لعباده بعد نبيه الاكرم (ص)، فاهل السنة اوجبوا للصحابة ما لم يوجبوه هم لانفسهم!! وذكر المناوي «ان ابن عمر كان اذا سئل قال: اذهب الى هذا الامير الذي تولى امر الناس، فضعها في عنقه».

وقال: «يريدون ان يجعلونا جسرا يمرون علينا على جهنم». ((728)) (يا ايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وانزلنا اليكم نورا مبينا ).((729)) عدالة الصحابة بادئ ذي بدء: لقد جعل اهل السنة كل الصحابة عدولا لانهم كما يقولون حملة الشريعة للناس. يقول ابن الصلاح:«ثم ان الامة مجمعة على تعديل جميع الصحابة... وكان اللّه سبحانه وتعالى اتاح الاجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة» ((730)).

وقال الجويني: «والسبب في عدم الفحص عن عدالتهم، انهم حملة الشريعة، فلو ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعة على عصره (ص) ولمااسترسلت الى سائر العصور» ((731)).

وقال القرشي: «ان حفظ الدين يقتضي عدالة الصحابة، اذ كيف يعد اللّهسبحانه بحفظ دينه (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ) ((732)) بينما حملته ونقلته عن نبيه مطعون في عدالتهم ونزاهتهم» ((733)).

نعم، لقد قرر هؤلاء عدالة جميع الصحابة لانهم نقلة الشريعة.

ونحن في بحثناهذا سنتناول عدالة الصحابة، فان كانوا عدولا فسنتنازل عن كل ما كتبناه، ونقول: انهم حملة الشريعة حقا، ولكن اذا لم يكونوا عدولا فلا يجوز لنا ان ناخذ عنهم الشريعة.

والا فكيف ناخذ ديننا عنهم «بينما حملته ونقلته عن نبيه مطعون في عدالتهم ونزاهتهم» على حد تعبير القرشي!!