احاديث عبداللّه بن عمرو بن العاص:

له في كتب السنن 700 حديث ((430))، فلنر هل يتناسب هذا العدد من الاحاديث مع علم عبد اللّه وماقيل فيه.

يقول ابو هريرة: «ما من اصحاب النبي (ص) احد اكثر حديثا عنه مني، الا ما كان من عبداللّه بن عمرو فانه كان يكتب ولا اكتب» ((431)).

هذا ابو هريرة وهو اكثر الصحابة رواية للحديث، يعترف ان عبداللّه اكثررواية للحديث منه! يقول ابن حجر: «ان ابا هريرة كان جازما بان ليس في الصحابة اكثر حديثا عن النبي (ص) منه الا عبداللّه، مع ان الموجود المروي عن عبداللّه اقل من الموجود المروي عن ابي هريرة باضعاف مضاعفة» ((432)).

وقال محمد زهو: «من هنا ترى عبداللّه بن عمرو قد توفر لديه من اسباب التحمل للحديث والاكثار منه ما لم يتوفر لغيره فقد تقدم اسلامه وحفظ الحديث بصدره ووعاه بقلبه ودونه بقلمه في الصحف حتى نقل عنه انه قال: «حفظت عن النبي (ص) الف مثل» ((433)).

لقد روى عبداللّه بن عمرو 700 حديث والمفترض به، ان يروي اكثر مما روى ابو هريرة، فالذي روي عن عبداللّه كما يقول محمد زهو: «لا يتناسب مع غزارة علمه وكثرة ما حفظه وكتبه عن رسول اللّه (ص) فلم يصلنا عنه سوى سبعمائة حديث». ((434)) وهكذا نجد ان الفرق بين احاديث ابي هريرة وعبداللّه 4674 حديثا. وهذا الرقم على الاقل كان يجب ان يصل الينا عن عبداللّه لما قرره علماء الحديث، وقبلهم ابو هريرة، من ان عبداللّه تحمل اكثر من ابي هريرة.

ان الذي ينبغي ان يقف عنده الباحثون هو: اين بقية العلم الذي حمله عبداللّه والذي يفوق ما حمله ابو هريرة ؟! لو قال العلماء ان مرويات عبداللّه تساوي مرويات ابي هريرة لكانت خسارتنا 4674 حديثا، ولكن الطامة: ان عبد اللّه كما يقولون: تحمل اكثر من ابي هريرة! وعبد اللّه يقول: انه حفظ عن الرسول (ص) الف مثل، فاين هذه الالف من السبعمائة ؟! فليلا حظ حجم هذه الثروة التي خسرناها. لقد خسرنا على الاقل 4674 حديثا، وبطبيعة الحال، هذه الاحاديث تحتوي على تشريعات وعقائد و آداب...

وفي هذه اللحظة يستطيع كل مسلم ان يختبر نفسه. فالغيور على الاسلام وعلى السنة ستثور ثائرته على فقدان هذه الثروة والتي تفوق ما في صحيح البخاري  بدون تكرار!!! ولا نعجب اذا ثار البعض علينا بعد هذه الحقيقة الناصعة حمية منهم على موروثاتهم، فانا للّه وانا اليه راجعون.

احاديث عبد اللّه بن مسعود:

كان من السابقين الى الاسلام، شهد المشاهد كلها، روي له في كتب السنن 848 حديثا ((435)). فهل يتناسب هذا الرقم مع طبيعة حياة ابن مسعود وطول فترة ملازمته للرسول (ص) ؟لنر.

ورد في الصحيحين ان ابا موسى الاشعري قال: «قدمت انا واخي من اليمن فمكثنا حينا لا نرى ابن مسعود وامه الا من اهل بيت رسول اللّه (ص) لما نرى من كثرة دخوله ودخول اءمه على رسول اللّه (ص) ولزومه له».

ويؤكد القاسم بن عبد الرحمن علاقة ابن مسعود بالرسول (ص) حيث يقول: «كان عبداللّه بن مسعود يلبس رسول اللّه (ص) نعليه ثم، يمشي بالعصاحتى اذا اتى مجلسه نزع نعليه فادخلهما في ذراعيه واعطاه العصا ((436))».

وقال رسول اللّه (ص): «استقرؤا القرآن من اربعة من عبداللّه،...». ((437)) وجعل عمر عبداللّه على بيت مال الكوفة وكتب الى اهلها: «بعثت اليكم عمار اميرا، وعبداللّه بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من اصحاب رسول اللّه(ص)، ومن اهل بدر، فاقتدوا بهما، قد آثرتكم بعبداللّه على نفسي».((438)) وقال احد معاصريه فيه وهو ابو مسعود: «ما اعلم رسول اللّه(ص) ترك بعده اعلم بما انزل اللّه من هذا القائم يقصد ابن مسعود».

وسئل علي (ع) عن عبداللّه فقال: «علم القرآن والسنة ثم انتهى وكفى بذلك علما» ((439)).

وقال عقبة بن عامر: «ما ادري احدا اعلم بما نزل على محمد (ص) من عبداللّه بن مسعود، فقال ابو موسى: ان تقل ذلك، فانه كان يسمع حين لا نسمع من رسول اللّه(ص)، ويدخل حين لا ندخل على رسول اللّه (ص)».

وقال عبداللّه عن نفسه: «والذي لا اله غيره ما من كتاب اللّه سورة الا وانااعلم حيث انزلت، وما من آية الا وانا اعلم فيما انزلت، ولو علمت اني اعلم ان رجلا اعلم بكتاب اللّه مني تبلغه الابل لاتيته» ((440)).

وقال ابو الدرداء حين توفي ابن مسعود: «ما ترك بعده مثله».

هذا ما جاء في ابن مسعود وهذه احاديثه 848 والبصير يدرك ان عندعبداللّه اضعاف هذا الرقم من الاحاديث. انظر الى قول عقبة بن عامر: ما ادري احدا اعلم بما نزل على محمد (ص) من عبداللّه. وقال علي فيه: (علم القرآن والسنة ثم انتهى وكفى بذلك علما).

فلا يعقل ان يكون هذا العدد المروي هو ما اخذه عن رسول اللّه.

اذ كيف يعقل ان رجلا عاش مع النبي ثلاث وعشرين سنة لا يفارقه حتى عد من اهل بيته لا يحفظ عن النبي سوى 848 حديثا.

احاديث عمران بن حصين:

عمران بن حصين، من السابقين الى الاسلام له في كتب السنن 180 حديثا ((441))!عن مطرف قال: «قال لي عمران بن حصين: اي مطرف، واللّه ان كنت لارى اني لو شئت حدثت عن رسول اللّه (ص) يومين متتابعين لا اعيد حديثا...». ((442)) وعن عمران بن حصين قال: «سمعت من رسول اللّه (ص) احاديث سمعتهاوحفظتها ما يمنعني ان احدث بها الا ان اصحابي يخالفونني فيها» ((443)).

عمران اذن يستطيع ان يتحدث عن النبي (ص) يومين متتابعين لا يعيدحديثا. وانه سمع من النبي (ص) احاديث وحفظها ولكن يمتنع ان يتحدث بها! فهل هناك ابلغ من هذين النصين دلالة على ضياع السنة ؟! لقد وصلنا عن عمران 180 حديثا وهذه الاحاديث يستطيع ان يقراهاالمرء خلال ساعتين او اقل. ولكن لنحاول ان نخمن كم عند عمران من الاحاديث.فلو افترضنا انه كان يقرا حديثا واحدا كل دقيقة ففي ثمان واربعين ساعة يومين متتابعين يستطيع ان يقرا 2880 حديثا!!! ولنفترض انه يقرا الف حديث في يومين متتابعين حتى لا يقال اننا مبالغون، فهذا يعني اننا خسرنا حوالي ثمانمائة حديثا كان يحفظها عمران ولم يتحدث بها، وهذه الكمية التي بقيت في صدر عمران نستطيع ان نعمل منها موطا اكبر من موطا مالك!!! فيال هؤلاء القوم الذين استخفوا بسنة رسول اللّه (ص)!!

احاديث عبد اللّه بن عباس:

ولد ابن عباس في شعب ابي طالب قبل الهجرة بثلاث سنوات، روي له في كتب السنن 1660 حديثا ((444)) وهذاالرقم لا يتناسب مع علم ابن عباس وماقيل فيه.

دعا رسول اللّه (ص) له فقال: «اللهم علمه الحكمة و تاويل الكتاب»، ((445)) و «اللهم علمه الكتاب» ((446))، و «اللهم فقهه» ((447)).

قال الحسن بن علي (ع) عنه: «كان ابن عباس من الاسلام وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا فيقرا البقرة وآل عمران فيفسرهما آية» ((448)).

وكان عمر اذا عرضت له معضلة قال لابن عباس: «انها قد طرات علينا اقضية وعضل فانت لها ولامثالها» ((449))، وكان يقول لابن عباس « اشهدانك تنطق عن بيت نبوة»، وقال فيه عبداللّه بن مسعود: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس» ((450)).

وقيل لطاووس بن كيسان احد تلامذته: لزمت هذا الغلام اي ابن عباس، وتركت الاكابر من اصحاب رسول اللّه (ص)؟! قال طاووس: «اني رايت سبعين رجلا من اصحاب رسول اللّه (ص) اذا تدارؤوا في امر صاروا الى قول ابن عباس».

وقال تلميذه عطاء بن ابي رباح يصف مجلسه: «ما رايت اكرم من مجلس ابن عباس، اصحاب الفقه عنده، واصحاب القرآن عنده، واصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع».

وقال ابن ابي مليكة: رايت مجاهدا سال ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه الواحه، فقال ابن عباس: اكتب، حتى ساله عن التفسير كله» ((451)).

وقد انكب ابن عباس بعد وفاة النبي (ص) على طلب العلم.

روى الدارمي في مسنده عن عبداللّه بن عباس انه قال: «لما قبض رسول اللّه (ص) قلت لرجل من الانصار: هلم فلنسال اصحاب النبي (ص) فانهم اليوم كثير. قال واعجبا لك،اترى الناس يفتقرون اليك، قال: فتركت ذلك الرجل واقبلت اسال، فان كان ليبلغني عن رجل فتي بابه وهو قائل فاتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول اللّه (ص) ما جاء بك ؟ هلا ارسلت الي فتيك فاقول: لا، انا احق ان آتيك فاسالك عن الحديث. فعاش ذلك الرجل الانصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسالونني فقال: هذا الفتى كان اعقل مني» ((452)).

يقول ابن عباس عن نفسه: «ان كنت لاسال عن الامر الواحد ثلاثين من اصحاب النبي (ص) ((453))».

وكان ابن عباس ياتي ابا رافع فيقول: ما صنع النبي (ص) يوم كذا، ومع ابن عباس من يكتب ما يقول ((454))».

هذا هو ابن عباس «ولا غرو انه بهذا الجد والجهد والحرص والنشاط تمكن من جمع ثروة علمية قل نظيرها في ذلك الزمان» ((455)).

ولا ننسى ان ابن عباس عاش بعد النبي 58 عاما اخذ بها عن الصحابة الكثير، يقول الاستاذ محمد ابو النصر عن ابن عباس: «ولم يقتصر في اخذالحديث عن رسول اللّه (ص) لحداثة سنه وصغره عند موت النبي الكريم، بل اخذعن اصحاب رسول اللّه علما عظيما» ((456)).

فهل يعقل بعد هذا ان يكون مقدار ما حفظه ابن عباس عن النبي (ص)هو 1660 حديثا ؟! من قال هذا فهو مزر بكل الشهادات المتقدمة. ولو قلنا: ان ابن عباس عاش مع النبي راشدا ثلاث سنين لوجب ان يصل الينا عنه اكثر من خمسة آلاف حديث حاله حال ابي هريرة، اضف لهذا 58 سنة قضاها ياخذ عن الصحابة، فيصبح عنده آلاف الاحاديث.

قال عنه عبيد اللّه بن عبداللّه بن عتبة بن مسعود احد الفقهاء السبعة: «ان ابن عباس قد فاق الناس بخصال تتمثل بعلم من سبقه، وفقه فيما احتيج اليه من رايه، وحلم ونسب، وتاويل، وما رايت احدا كان اعلم منه بما سبقه من حديث رسول اللّه (ص)... ولقد كان يجلس يوما ولا يذكر فيه الا الفقه، و يوما التاويل، ويوما المغازي، ويوما الشعر، و يوما ايام العرب، ولا رايت عالما قط جلس اليه الا خضع له، وما رايت سائلا قط ساله الا وجد عنده علما» ((457)).

وهذا دليل على ما توصلنا اليه، فابن عباس حسب قول عبيداللّه لا يفوقه احد في العلم بحديث رسول اللّه (ص) لا ابوهريرة ولا ابن عمر ولا انس، وقال ابن عباس عن نفسه: «حفظت السنة كلها» ((458)) فهل هذه الالف والستمائة حديث كل السنة ؟! وتصور بربك انه كان يجعل يوما للفقه ويوما للتاويل... فهل كان يقضي عشرات السنين بهذه الالف والستمائة والستين حديثا ؟!! فكم يا ترى حصيلة ابن عباس من السنن؟ يقول محمد الاعظمي: «ومن الممكن تقديرمكتبته ولو على سبيل الظن والتخمين من قول موسى بن عقبة: «وضع عندنا كريب مولى ابن عباس توفي 98 هـ حمل بعير، او عدل بعير من كتب ابن عباس» ((459)).

وقال ابن حزم: «وقد جمع ابو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن اميرالمؤمنين المامون فتيا عبداللّه بن العباس في عشرين كتابا» ((460)).

لقد بلغ ما كتبه ابن عباس عن النبي (ص) حمل بعير ومع ذلك لم يصل الينامنه الا 1660 حديثا، فاين ذهب باقي حمل البعير هذا ؟ وكل مسلم يعرف ان الصحاح الستة يمكن ان يحملها بعير وفيها آلاف الاحاديث!! ((461))

احاديث زيد بن ارقم:

غزا زيد بن ارقم مع رسول اللّه (ص)((462)) سبع عشرة غزوة توفي سنة 68 هـ
. وصل الينا عن زيد 70حديثا ((464)) ((463))!! افنصدق ان زيدا الذي عاش مع النبي (ص) ثلاثا وعشرين سنة، وبعده 58 سنة لم يحفظ الا سبعين حديثا ؟ قيل لزيد بن ارقم: حدثنا، فقال: «واللّه لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت اعي من رسول اللّه(ص)...». ((465)) ان زيدا لا يتحدث بحجة انه كبر ونسي والحديث صعب.

وكلامه هذا يدل على ان عنده سننا ولكنه نسيها...! فاين هذه السنن التي نسيها والتي يصعب التحدث بها؟!! ومن يضمن لنا ان لا يكون زيد قد تفرد باحاديث تشريعية نسيها فيما نسى او استصعب نطقها ؟ لا احد.

ولكن اللّه  ضمن ايصال سنة نبيه (ص) لعباده كاملة، ولا يمكن ان يتركهما عند الصحابة، لانه يعلم ان منهم من سينسى كزيد وانس او يستصعب نطقها... وهذا هو المطلوب.

احاديث معاذ بن جبل:

معاذ بن جبل الخزرجي له في كتب السنن 155 حديثا ((466)). روي ان الرسول (ص) شهد له بالعلم،حيث جعله اعلم اءمته بالحلال والحرام ((467)).

ولما خرج النبي (ص) الى حنين استخلف معاذا على اهل مكة ليعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين ((468)). واختاره الرسول (ص) ليكون قاضيا على اليمن((469)) وروي انه كان يفتي على عهد ((470))سول اللّه.

وكان عمر يقول: «من اراد الفقه فليات معاذ بن جبل». ((471)) ولما خرج معاذ الى الشام قال عمر: «لقد اخل خروجه بالمدينة واهلها في الفقه، وفيما كان يفقههم به ((472))».

«وقد كان لمعاذ بن جبل (ع) نشاط علمي في كثير من اقطار الدولة الاسلامية، ففي اي بلد حل اتخذ له مجلسا في مسجد يفقه الناس ويفتيهم ويعلمهم امور دينهم» ((473)).

قال ابو مسلم الخولاني: «اتيت مسجد دمشق، فاذا حلقة فيها كهول من اصحاب محمد (ص)، واذا شاب فيهم اكحل العين، براق الثنايا، كلما اختلفوا في شيء ردوه الى الفتى، قال: قلت لجليس لي: من هذا ؟ قال هذا معاذ بن جبل»((474)).

بعد هذا، هل نصدق ان ما اخذه معاذ عن النبي (ص) 155 حديثا ؟! من قال هذا فهو مزر بمعاذ، ومن قال ان عنده الكثير، قلنا له: اين هذا الكثير ؟ واين علم الحلال والحرام الذي احتمله معاذ ؟ اليس من المؤسف ان تجدوا السنن التي اخذها معاذ عن النبي (ص) والتي جعلت منه مفتي الصحابة واعلم الامة بالحلال والحرام: في صدر معاذ لا غير!

احاديث ابي هريرة:

على الرغم من اننا انكرنا على ابي هريرة تفرده بهذا الرقم من الاحاديث  5374 في ابحاث متقدمة الا اننا سنقتصر في هذا البحث على قوله بان عنده سننا لم يخرجها.

ورد عن ابي هريرة قوله: «احفظ عن رسول اللّه وعاءين: فاما احدهمافبثثته واما الاخر لو بثثته لقطع هذا البلعوم».

وفي المحدث الفاصل: «ان ابا هريرة حفظ عن رسول اللّه (ص) خمسة جرب احاديث، وقال: اني اخرجت منها جرابين، ولو اخرجت الثالث لرميتموني بالحجارة» ((475)).

اذا كان ابو هريرة يحفظ من الاحاديث خمسة جرب واخرج منها جرابين فكانت 5374 حديثا فكيف لو اخرج الجرب الثلاثة الباقية ؟!! بل قل: لماذا لم يخرجها ؟ هل خاف ان يقطعوا بلعومه ؟ الم يكن هذا الصحابي الكبير قد عاش في خير القرون ؟ فلماذا الخوف اذن ؟!! وهل ياتمن اللّه على دينه من يخاف تبليغه؟! ان جرابين من جرب ابي هريرة، كان فيهما 5374 حديثا، ففي الجرب الثلاثة الباقية خفيت قرابة ثمانية الاف حديث على اقل تقدير، وكلها بقيت مع ابي هريرة، وهذا العدد من الاحاديث نستطيع ان نعمل منه كتابين بعدد صحيحي البخاري ومسلم!!

احاديث انس بن مالك:


يعد انس من المكثرين في الصحابة، له 2286 حديثا ((476)).

عاش مع النبي (ص) ثلاثا وعشرين سنة،اما كم حصل من الاحاديث في هذه المدة ؟ فنتركها للقارئ اللبيب، ولكننا سناخذقول انس التالي ونعلق عليه، قال: انه ليمنعني ان احدثكم حديثا كثيرا، ان رسول اللّه (ص) قال: «من تعمد علي كذبا فليتبوا مقعده من النار» ((477)).

لنعد النظر في قول انس: انه ليمنعني ان احدثكم حديثا كثيرا... فماذا يعني هذا ؟ هل ما رواه انس قليل وعنده الكثير غيره؟! وهل في حديثه المخبوء كذب ام ماذا ؟! ان قول انس ينطق بهذا المعنى.

فاين هذا الحديث الكثير الذي امتنع انس عن التحدث به ؟! الجواب:ستجدونه في صدر انس! ولا بد انه اضعاف ما جاء عنه لان قول انس السابق يجعل ما جاء عنه قليلا.

قال ابراهيم الشهاوي: «وكان (ع) اي انس اعلم الصحابة بسنة رسول اللّه(ص)» ((478)) وعلى قول الشهاوي هذا فان انس اعلم من ابي هريرة،ولكن ماذا يساوي رقم 2286 امام رقم 5374 ؟!!

احاديث حسان بن ثابت:

هو الصحابي المعروف وشاعر الرسول (ص). عاش مع النبي (ص) عشرسنين، فحفظ حديثاواحدا ((479))!! عاش حسان ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الاسلام.

نعم، عاش بعد النبي خمسين سنة ولا ندري هل بقي خلال هذه الخمسين سنة يتحدث بحديث واحد ؟!! ام انه كان يحفظ الالاف من الاحاديث كما يقرر العقل السليم ؟ ولماذايروي احد الصحابة خلال سنتين 5374 حديثا ولا يروي حسان في عشر سنين الا حديثا واحدا ؟ فاين ذهبت احاديثه ؟! نحتاج لجواب.

احاديث صهيب الرومي:

عن عمرو بن دينار عن صيفي بن صهيب قال: قلت لابي صهيب: مالك لاتحدث عن رسول اللّه (ص) كما يحدث اصحابك ؟ قال: اي بني قد سمعت كما سمعوا، ولكن يمنعني من الحديث اني سمعت رسول اللّه (ص) يقول: «من كذب علي متعمدا...» ((480)).

وعن صهيب قال: «صحبت رسول اللّه (ص) قبل ان يوحى اليه».((481)) مع ان صهيب صحب النبي (ص) وسمع منه وعاش بعده فترة طويلة. الا انه لم يردنا عنه سوى((482)) ثلاثين حديثا! فلماذا يمتنع صهيب عن رواية الحديث ؟ واليس في عدم تحدثه باحاديث سمعها تضييع لهذه السنن ؟!

احاديث ابي اسيد الساعدي:

عن ابي اسيد الساعدي قال: «كنت اصغر اصحاب رسول اللّه (ص)واكثرهم منه سماعا» ((483)).

اذا كان ابو اسيد الساعدي اكثر اصحاب رسول اللّه (ص) سماعا فهو اكثرسماعا من عبداللّه بن عمر وانس وابي هريرة، ولكن، ما وصل الينا عنه اقل مماوصل الينا عن هؤلاء بكثير. نعم، وصل الينا عنه ثمانية وعشرون حديثا ((484))!! فكم فقدنا من حديث هذا الصحابي يا ترى ؟

من لم يرو شيئا من الصحابة:


1- عبدالرحمن بن حنبل ((485)).

2- ثمامة بن عدي من المهاجرين الاولين شهد بدرا ((486)) ولم يحفظ عنه حديث.

3- زياد بن حنظلة التيمي «شهد مع علي المشاهد كلها». ((487))

4- تمام بن العباس: «ولا يحفظ له عن النبي (ص) رواية من وجه ثابت» ((488)).

من روى حديثا واحدا:

1
- مهران مولى رسول اللّه ((489)).

2- سهل بن حنيف: وهو من السابقين شهد المشاهد كلها توفي سنة 38هـ.((490))

3
- ابن ابي عمارة المدني. قال المزني: له حديث واحد في المسح على((491))الخفين.

4- سعد بن عباد: له في مسند بقي بن مخلد حديث واحد ((492)).

5- آبى اللحم الغفاري.

6- ادرع السلمي.

7- بشير بن جحاش القرشي.

8- ربيعة بن عامر ((493)).

من روى حديثين:

 
1- عبداللّه بن حنظلة الغسيل ((494)).

2- شرحبيل بن حسنة ((495)) اسلم قديما ومات سنة 18 ه.

3- حارثة بن النعمان: شهد بدرا والمشاهد كلها وادرك خلافة معاوية.((496)) ان هناك الكثير من الصحابة لم يرووا الا حديثا واحدا او اثنين..وهذه عينات نتركها للقارئ اللبيب ليعمل حساباته!

مائة واثنا عشر الف صحابي لم يرووا شيئا!!!


قال الحافظ ابو زرعة الرازي: «توفي النبي (ص) ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة الف انسان من رجل وامراة وهذا لا تحديد فيه، وكيف يمكن الاطلاع على تحرير ذلك مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى».

وقال: «قبض رسول اللّه (ص) عن مائة الف واربعة عشر الفا من الصحابة ممن روى وسمع منه ((497))».

قال العراقي: «وروى الساجي في المناقب بسند جيد عن ابي زرعة قال:قبض رسول اللّه والمسلمون ستون الفا، ثلاثون الفا بالمدينة وثلاثون الفا في قبائل العرب وغير ذلك. قال: ومع هذا فجميع من صنف من الصحابة لم يبلغ مجموع ما في تصانيفهم عشرة آلاف مع كونهم يذكرون من توفي في حياته (ص) ومن عاصره وادركه صغيرا» ((498)).

وقال ابن حجر: «فجمعت كتابا كبيرا في ذلك اي في احصاء عددالصحابة وتراجمهم ميزت فيه الصحابة من غيرهم، ومع ذلك لم يحصل لنا من ذلك جميعا الوقوف على العشر من اسامي الصحابة» ((499)).

ان عدد الصحابة مائة واربعة عشر الف صحابي، وكلهم راى النبي (ص)وسمع منه كما يقول ابو زرعة، ولكن المعروف من هؤلاء احد عشر الف وستة وعشرون صحابيا كما في الاصابة، فهناك مائة وثلاثة آلاف صحابي ((500)) لانعرف اسمائهم ولم يردنا عنهم خبر!!! وهذه واللّه النازلة الكبرى والمصيبة العظمى،فالصحابة المعروفون وهم الاحد عشر الفا وستة وعشرون صحابيا لم يرو الا عن 1565 صحابيا منهم ((501)). فالنتيجة النهائية تدلنا على ان هناك اكثر من مائة واثني عشر الف صحابي لم يرو عنهم شيء!!! ان الاحاديث الصحيحة التي في كتب السنن قد تبلغ اربعين الف حديث  دون تكرار وهذا يعني ان 1565 صحابيا رووا اربعين الف حديثا!! فلو وصلت الينا روايات هؤلاء المائة والاثني عشر الف صحابي فكم سيصبح عندنا من الحديث ؟!!! الا يحق للمسلم ان يقوم ويقعد لهذه الطامة ؟ ومهما عاند المعاندون فالحقيقة ستبقى قائمة على ان اكثر السنن ضائعة. ((502))

خاتمة المطاف في احاديث الصحابة

لقد اثبتنا بالارقام والحروف، بما لا يدع مجالا للشك، ان كل صحابي يحفظ الالاف من الاحاديث، ولكننا فقدنا الكثير منها.

ولابد من التاكيد على ان كل صحابي عنده من السنن ماليس عند غيره، يقول الدكتور عبدالغني عبدالخالق:«ولقد تكون صحبة الواحد منهم له (ص) ساعة واحدة ويكون منفردا بهاويصدر في هذه الساعة ما لم يطلع غيره اصلا، ولذلك وجب القول بان كل فرد من الصحابة يحتمل انه قد حمل شيئا من السنة لم يحمله غيره» ((503)).

ولا شك في ان هناك كثيرا مما لم يصل الينا من السنن التي تفرد بها الصحابة الاكثر اتصالا بالنبي (ص) كابي بكر وعمر وعلي وعثمان ((504)) وابن مسعود،وسلمان الذي كان له مجلس متميز من رسول اللّه (ص).

يقول ابن تيمية: «وقد كان النبي (ص) يحدث، او يفتي او يقضي، اويفعل الشيء، فيسمعه او يراه من يكون حاضرا ويبلغه اولئك او بعضهم لمن يبلغون فينتهي علم ذلك الى من شاء اللّه من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم في مجلس آخر قد يحدث او يفتي، او يقضي، او يفعل شيئا، ويشهده بعض من كان غائبا عن ذلك المجلس ويبلغونه لمن امكنهم فيكون عند هؤلاء من العلم ماليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء» ((505)).

وقال ابن سعد في طبقاته: «قال محمد بن عمر الاسلمي: انما قلت الرواية عن الاكابر من اصحاب رسول اللّه (ص) لانهم ماتوا قبل ان يحتاج اليهم»!! وقال: «ومنهم من لم يحدث عن رسول اللّه (ص) شيئا ولعله اكثر له صحبة ومجالسة وسماعا من الذي حدث عنه!! ولكنا حملنا الامر في ذلك منهم على التوقي في الحديث... وعلى الاشتغال بالعبادة والاسفار في الجهاد في سبيل اللّه حتى مضوا فلم يحفظ عنهم عن النبي (ص) شيء». ((506)) تامل اخي القارئ في هذه الشهادة ؟ الا تعني ان هناك صحابة لم يرووا شيئامع انهم اكثر سماعا وصحبة ممن رووا عن النبي (ص) ؟! واليس هذا اعترافا منه بضياع السنن وان لم يصرح بذلك؟! اما قوله «حملنا الامر في ذلك منهم على التوقي في الحديث... وعلى الاشتغال بالعبادة والاسفار...»

فهو يعني ان اللّه لم يختر الصحابة لتبليغ دينه لانه غ يعلم ان السفر والجهاد والاشتغال بالعبادة والتوقي في الحديث سيمنعهم من الرواية!! وهذا ما لا يقبله المنطق السليم، فاللّه لا يقبل بهذا لان ابقاء السنن في صدورهم معناه اضعاف الاسلام وتعطيل مواده! وهذه الاسباب التي ذكرها، ليست بمانع للرواية عن النبي (ص) فالصحابة لم يكونوا منشغلين بالعبادة والاسفار في الجهاد مثل رسول اللّه (ص) ومع ذلك استطاع الرسول (ص) ان يوصل الاسلام كاملا.

ويعترف رشيد رضا السلفي بضياع السنن حيث قال: «ونحن نجزم باننانسينا واضعنا من حديث نبينا (ص) حظا عظيما!!!! لعدم كتابة علماء الصحابة كل ماسمعوه ولكن ليس منه ما هو بيان للقرآن او من اءمور الدين ((507))».

لا ادري كيف علم رشيد رضا بان هذه الاحاديث المنسية الضائعة ليست مما هو بيان للقرآن وامور الدين وهي مفقودة ؟! فاذا كان قد اطلع عليها فهي ليست ضائعة! فقوله هذا مجرد ظن لا يعول عليه.. ولذلك فنحن نقبل شهادته ولا نقبل تاويله. وقال محمد محي الدين عبدالحميد: «فاما سنة رسول اللّه فلم تكتب،وليس فيهم اي الصحابة من يدعي حفظها جميعها ولا اكثرها، وكل واحد منهم قد فاته من قول الرسول او فعله الشيء الكثير» ((508)).

وقول محيي الدين بان كل صحابي قد فاته من سنة الرسول (ص) الشيء الكثير، هو اعتراف ضمني بضياع السنن.

ويعترف ابو شهبة صاحب كتاب دفاع عن السنة بضياع السنة والاخبار، فبعد ان ذكر ان اكثر الصحابة من الاعراب قال عنهم بانهم: «حضرواحجة الوداع ثم رجعوا الى البادية فلم يعلم عنهم خبر وكثير منهم مات في حروب الردة، وفي الفتوحات في عهد ابي بكر وعمر ( رض ) وفي الطاعون العام كعمواس وغير ذلك، وكل هذا من اسباب خفاء الاسماء وضياع الاخبار!!» ((509)).

فتامل عبارته «وضياع الاخبار»!! انها تتضمن المعنى نفسه في قولنا:ضياع السنة، ولكن اللفظ مختلف!! والان بعد ان اثبتنا ضياع الكثير من السنة ناتي للسؤال التالي: هل حمل اللّهالصحابة سنة نبيه (ص) لينقلوها لمن بعدهم ؟! ارى ان الجواب واضح، فلو جعل اللّه الصحابة نقلة الدين، لكان عالمابتضييع سنة نبيه (ص) والعياذ باللّه لان كثيرا من السنن سواء كانت تشريعية،او عقائدية او اخلاقية قد بقيت في صدور اولئك المائة وعشرة آلاف صحابي، فكيف يمكن التصديق بان اللّه قد اختارهم لتبليغ دينه، وهو يعلم بذهاب السنن معهم وضياعها ؟!! ولابد من القول ان اللّه قد اختار لتبليغ دينه بعد نبيه اناسا قد حفظوا السنة ووعوها، لكي تنقل هذه السنة المدونة من شخص مختص بهاالى غيره، وهذه اضمن طريقة لبقاء الاسلام. اءلا ترى اءن الاسلام كان موجودابوجود الرسول (ص) بحيث اذا ذهب تفرقت الامة؟ اما القول: ان اللّه قد وزع دينه على 114 الف صحابي ليبلغوه للناس مع علمه بانه لن يروى الا عن 1565 منهم فهو افتراء باطل على اللّه عزوجل شانه العظيم! وينبغي لقارئنا الكريم ان يعرف: ان هذه السنن التي بقيت في صدورالصحابة، فيها المقيد والمخصص والناسخ والمفصل، وهذا مما يجعلنا امام مشكلة كبرى، فمن يدري، باننا ربما نمارس بعض الاحكام المقيدة او المخصصة او المنسوخة بالسنن التي ضاعت وبقيت في صدور الصحابة ؟! مع العلم انه لا يجوز العمل بالمطلق قبل الفحص عن مقيده ولا العام قبل الفحص عن مخصصه، وكذلك يتوقف العمل بالنص اذا احتمل وجود ناسخ، ولكن كيف يمكننا ان نعرف: ان الاحكام التي وصلتنا غير مقيدة او مخصصة او منسوخة، والسنة التي تبين هذه الامورمفقودة ؟! ان في هذا المنهج منهج اهل السنة والجماعة ضياعا لكثير من الاثارالنبوية والتي لا يستغني عنها المسلم. فلو ان اللّه جعل هذا المنهج هو المعبر عن دينه لما سمح بضياع نص واحد، ومن هذا نعلم ان اللّه لم يختره، كما ان اللّه لم يقبض نبيه محمدا (ص) الا بعد ان اكمل الدين وبين كل ما يحتاجه الناس. ولو ان اللّه جعل الصحابة سفراءه في التبليغ لاستلزم ذلك ابقاءهم احياء حتى يخرجوا كل ما عندهم من سنة الرسول (ص) وبذلك تبرا ذمتهم امام اللّه والاجيال ثم يقبضهم اللّه اليه.

ولو افترضنا ايضا ان اللّه اختار الصحابة لينقلوا دينه للناس، للزم ذلك عدم موت هذا الجم الغفير منهم والذي يقدر ب 114 الف صحابي في عصر من العصور ويلزم ذلك، اذا سئل احدهم عن امر ما ان يجتمعوا من جميع اقطار الارض ليتداولوا فيه ويطرحوا ما عندهم من سنن بخصوص المسالة المطروحة، ويبحثوا فيمااذا كان هناك مقيد او مخصص او ناسخ في تلك السنن وصولا الى الجواب المطلوب.والا لو سئل احدهم واجاب حالا فلربما يقع في الخطا وذلك لاحتمال وجود الناسخ او المقيد او المخصص مع صحابي آخر.

لكل هذا نقول: يجب على من يخلف النبي (ص) في مهمته ان يكون على علم تام بالسنة النبوية وعلومها، وان يتم تداول هذا العلم بين خلفاء النبي (ص) حتى قيام الساعة. هذا ما يفرضه العقل والشرع.

ضياع السنة في عهد التابعين

لقد تم فقدان الكثير من السنة في عهد التابعين، اضافة الى مافقد منها في عهدالصحابة. وفي الصفحات التالية نقدم الادلة التي تؤكد ذلك وبالتفصيل.

ابو قلابة عبداللّه بن زيد البصري((510)):

«كتب احاديث كثيرة، وجمع ثروة علمية لا تقدر، وكان يقول: الكتاب احب الي من النسيان».واوصى ابو قلابة بكتبه فقال: «ادفعوا كتبي الى ايوب ان كان حيا والا فاحرقوها ((511))!! فجيء بها عدل راحلة من الشام» ((512)).

ان كتب ابن قلابة تعدل راحلة، فهل وصلت الينا مضامين كتبه؟! اعتقد انه لم يصل الينا منها الا القليل، وفقدها خير دليل على ذلك!

ذكوان ابو صالح السمان:

قال الاعمش «كتبت عن ابي صالح الف حديث» ((513)) وكانت لدى سهيل بن ابي صالح صحيفة عن ابيه، وللاسف، لم يخرج البخاري منها شيئا ((514))، واذا كان مسلم قد اخرج منهاماهو مثبت في صحيحه،فانه لم يستوعبها كلها.

فياترى اين نجد الالف حديث التي كتبها الاعمش عن ابي صالح ؟ فما وردنا عن الاعمش قليل بالنسبة لالف حديث!

الشعبي:

هو من كبار التابعين ورد عنه قوله: «ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه احد لكان به عالما!!» ((515)).

ان الشعبي قد نسي من الحديث ما لو حفظه احد لكان عالما، واقل عالم في ذلك الزمان كان يحفظ عشرة آلاف حديث، فهذا يعني ان الشعبي نسي الالاف من الاحاديث!! وزد على ذلك ان ما كان يحفظه الشعبي قد اندرس قسم كبير منه. فلقدكانت للشعبي كتب عدة، منها: كتاب الجراحات، كتاب الصدقات، الفرائض،كتاب في الطلاق وله مجموعة فقهية من الاحاديث ((516)) «ولا ندري عن هذه المجموعة الفقهية((517)) شيئا» فان كنت لا تدري فتلك مصيبة!!

عبيدة بن عمرو السلماني المرادي:

من فقهاء الكوفة كانت عنده كتب كثيرة، فدعا بها عند موته فمحاها، وقال: اخشى ان يليها احدبعدي فيضعوها في غير موضعها ((518)).

هذا تابعي محا كتبه التي جمع فيها السنة، وهذا محو للسنة!

عروة بن الزبير بن العوام:

من كبار التابعين جمع احاديث عائشة في حياتها «ويبدو انه جمع كمية كبيرة من الكتب، واحرق امابعضها او كلها، تحت مؤثرات شتى، وكان يتالم بعد ذلك على ما فعل» ((519)).

روى معمر عن هشام بن عروة، قال: احرق ابي يوم الحرة كتب فقه كانت له، قال: فكان يقول بعد ذلك: لان تكون عندي احب الي من ان يكون لي مثل اهلي ومالي» ((520)). هكذا تذهب احكام الاسلام التشريعية. ونحن نتالم على ضياع كتب الفقه هذه كعروة، لكن الفرق انه فقدها بارادته اما نحن فمن ضحاياالتاريخ.

ابو بكر بن حزم الانصاري:

تابعي فقيه قال مالك عنه: «لم يكن احد بالمدينة عنده من علم القضاء ماعند ابي بكر بن حزم... وقد اوصاه عمر ان يكتب له ما عند خالته عمرة بنت عبدالرحمن الانصارية وما عند القاسم بن محمد بن ابي بكر ولم ينقل الينا شيء عن الذي انجزه ابو بكر ابن حزم، ولعله ضاع فيما ضاع من ثروتنا عبر القرون»!! ((521)) وقد ارسل ابن حزم الانصاري الى عمر بن عبد العزيز كتبا«ويبدو انه لم يحتفظ بنسخة من كتبه، لانه عندما سئل ابنه عن مصير تلك الكتب قال: ضاعت» ((522)).

وهكذا تضيع مواد الاسلام، ولا ادري هل جعل اللّه سنة نبيه (ص) عرضة للضياع ام انه حفظها عند من يقدر قيمتها ؟

الحسن البصري:

من مشاهير التابعين، وكان عند الحسن كتب ((523)) لكنه للاسف احرقها. قال سهل بن حصين بن مسلم الباهلي: «بعثت الى عبداللّه بن الحسن بن ابي الحسن ابعث الي بكتب ابيك، فبعث الي: انه لما ثقل، قال: اجمعها لي، فجمعتها له، وما ندري ما يصنع بها، فاتيته بها،فقال للخادم: استجري التنور، ثم امر بها، فاحرقت غير صحيفة واحدة، فبعث بها الي...». ((524)) فليتامل العقلاء كيف تحرق السنن وتندرس. ومن المؤكد ان لدى الحسن سننا كثيرة لم تصل الينا. قال ابو جعفر الرازي عن الربيع بن انس: «اختلفت الى الحسن عشر سنين، او شاء اللّه، فليس من يوم الا اسمع منه ما لم اسمع من قبل ذلك». ((525)) لو سمع الربيع من الحسن كل يوم حديثا واحدا على مدار عشر سنين لبلغ ماعند الحسن 3650 حديثا، ولكن لم يصل الينا عن الحسن ربع هذا الرقم!!!

سفيان بن عيينة:

كتب الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة. قال العجلي: «كان حديث ابن عيينة نحوا من سبعة آلاف» ((526)) قال يونس بن عبد الاعلى: «كتبت عن سفيان كثيرا».

هذا سفيان بن عيينة عنده سبعة آلاف حديث وما روي عنه لا يساوي شيئا بالنسبة لهذا الرقم!!!

يحيى بن ابي كثير اليماني:

احد الائمة الاثبات الثقات المكثرين، راى انسا ولم يسمع منه ((527)).قال الاوزاعي: «جالست يحيى بن ابي كثير، وكتبت عنه اربعة عشركتابا او ثلاثة عشر، فاحترق كله»!! اي احترقت السنة!!

عبدالملك بن جريج:
حضر في مجلس عطاء سبع عشرة سنة ((528)) «ولقد كتب كثيرا جدامن الاحاديث النبوية، كما الف كتبا عديدة حتى انه لما قدم على ابي جعفر، قال له:جمعت حديث ابن عباس ما لم يجمعه احد» ((529)).

«اما عن عدد مؤلفاته ونوعيتها واسمائها فلا نعلم عنها شيئا بالتفصيل...ويذكر ابن النديم ان له من الكتب ((530)):

1- كتاب السنن.

2- كتاب الحج او كتاب المناسك.

3- كتابا في التفسير.

4- كتاب الجامع.

وقد فقدت هذه الكتب التي تحمل سنة الرسول (ص)! وصرح الاعظمي ان ابن جريج كتب احاديثا كثيرة جدا مع ان الذي وصل الينا عنه قليل قياسا لما وردمن حفظه للحديث وجمعه لحديث ابن عباس بما يعدل حمل بعير!!

كثير بن مرة الحضري:

ذكر الدكتور محمد عجاج الخطيب ان عبد العزيز والد عمر بن عبدالعزيزكتب الى كثير بن مرة الحضري عالم حمص وكان قد ادرك بحمص سبعين بدريا من اصحاب رسول اللّه(ص) كتب له ان يكتب اليه ما سمع من اصحاب رسول اللّه (ص)...

قال عجاج: «الا ان المصادر لم تخبرنا عن امتثال كثير بن مرة للامير.فنقف امام هذا الخبر التاريخي متسائلين: ترى هل كتب كثير للامير ما طلب منه من حديث رسول اللّه (ص) ؟ واذا كتب اليه فما مقدار ما كتبه، وعن اي الصحابة كتب اليه ؟ ثم الى من آلت تلك الصحف او الدفاتر المدونة ؟ كل هذه اسئلة تعرض امامنا، وتحتاج الى بحث وتنقيب، وريثما يكشف لنا التاريخ عن خبايا تراثنا العظيم!! نجيب عن هذه الاسئلة على ضوء ما لدينا من اخبار قليلة.

ان ما نعرفه من عناية هؤلاء بالحديث يرجح عندنا ان يستجيب كثير بن مرة لطلب الامير ولو ظن الامير عبدالعزيز امتناع عالم حمص عن اجابته ما كتب اليه، مما يرجح عندي ان كثيرا تلقى رسالة الامير واجابه الى طلبه، لما عرف عن كثير من نشاط علمي عظيم...» ((531)).ولكن ما هو مصير هذا النشاط العلمي العظيم وما كتبه للامير ؟!

عبدالرحمن الاوزاعي:

من ائمة المذاهب الفقهية، الف كتبا عديدة «ولم يبق منها شيء الا الاقتباسات في الكتب» ((532)).

وقد كتب الاوزاعي عن المحدث يحيى بن ابي كثير اربعة عشر كتابا او ثلاثة عشر فاحترقت كلها ((533))!! و «اجاب الاوزاعي في سبعين الف مسالة»وفي رواية انه افتى في ثمانين الف مسالة. وقال ابو زرعة انه «روي عنه ستون الف مسالة ((534))».

«وكان يعتمد في فتاويه على ما لديه من اخبار وآثار» «قال الهقل بن زياد: وسئل الاوزاعي يوما عن مسالة فقال: ليس عندي فيها خبر، ان التي افتيتها كلها كان عندي اخبارها»!! ((535)) وقد تتبع عبداللّه الجبوري ما روي عن الاوزاعي فوجد له في البخاري 40حديثا ومسلم 51 و ابن ماجة 73 والنسائي 50 وابي داود 40 والترمذي 40. فيكون مجموع ما جاءنا عن الاوزاعي بعد غض النظر عن المكرر 294 حديثا!! ان الاوزاعي لا يفتي الا بخبر مروي كما مر، وقد اجاب في ثمانين الف مسالة، وروي له في كتب السنن 294 حديثا فهذا يعني اننا فقدنا عشرات الالاف من الاخبار التي كانت عند الاوزاعي!! وضع علامات تعجب ولا حرج!! فماذا سيقول المعاندون عن هذه الرزية ؟ وهل تبقى لاحد عين يرفعها في وجه الحقيقة ؟ فالرواية ثابتة على ان الاوزاعي اجاب في ثمانين الف مسالة والاوزاعي نفسه يقول: «التي افتيتها كان عندي اخبارها»، فهل يبقى جواب الا التسليم لهذه الحقيقة ؟! وهناك عدة كتب للاوزاعي مفقودة، يقول الجبوري: «منها: ماوقع للاوزاعي من العوالي...اما كتابه الاول اي العوالي فيبدو انه في الحديث كمايظهر من اسمه» ((536)) ولكن اين هو ؟!!

خاتمة المطاف في احاديث التابعين:


اولا لابد من التنويه الى اننا اخذنا قسما من شخصيات التابعين، ولوطاوعنا القلم لاتينا على مجلدكبير. ولكن السؤال هنا: من هو المسؤول عن ضياع هذه الكتب والسنن ؟! اعتقد ان الجواب يكون في احد امرين: اما ان اللّه هو المسؤول اذ جعل سنته عند هؤلاء بين الحرق والمحو والضياع، وحاشا للّه من هذا القول الباطل، واما ان نقول ان اللّه لم يخترهم وهو الصحيح والا لاتهمنا اللّه بالظلم والتفريط في سنة نبيه (ص).

ان فعل التابعين من حرق السنن ((537)) ومحوها هو دليل على انهم لم يكونوا يرون انفسهم اوصياء على الدين.

لقد كان اللّه يعلم انه لو ترك السنة بيد التابعين فانها ستذهب بين الحرق والمحو والاندراس لذلك نحن نقول: ان اللّه قد جعل السنة بعد النبي (ص) عندشخص يخلفه وهو يقوم ببيان الدين واذا مات اعط ى السنة المدونة لمن بعده،وهكذا حتى قيام الساعة، وهي اضمن طريقة لحفظ السنة بدلا من ان تترك بين الحرق والمحو...

ضياع السنة بعد التابعين

ان السنة التي تعرضت للحرق والمحو والاندراس في عهد الصحابة والتابعين،كذا كان حظها في عهدالمحدثين. وفي هذه الصفحات سيقف المرء مذهولا امام عدد الاحاديث التي فقدت في هذا العهد.

في البدء يحسن بنا ان نعرف عدد الاحاديث الصحيحة الموجودة في كتب السنن، ثم نتابع بحثنا. روى البخاري في صحيحه 4000 حديث دون المكرر.وروى مسلم نفس العدد.

واتفق الشيخان على الفي حديث ومائتين، فيصبح مجموع الصحيحين 5800 حديثا ((538)). وروى ابن ماجة 4341 حديثا.اخرج اصحاب الصحاح الخمسة من احاديث ابن ماجة 3002 « ثلاثة آلاف حديث وحديثين» فيبقى ما انفرد به 1339 حديثا، وروى ابو داود            4000حديث. و روى مالك في موطئه 700 حديث، وفي مسند احمد 30 الف حديث. وهناك صحيح ابن خزيمة لكن اكثره عدم! واضف لهذه الكتب سنن الترمذي والنسائي ومستدرك الحاكم... واحذف غير الصحيح والمكرر فتبلغ الاحاديث الصحيحة قرابة اربعين الف حديث.

ولكن ماذا يساوي هذا الرقم الذي وصل الينا من الاحاديث امام ما كان يحفظه منها المحدثون ؟ كان البخاري يحفظ مائة الف حديث صحيح خرج منها في صحيحه 8000 حديث بالمكرر. ورد عنه قوله: «احفظ مائة الف حديث صحيح»، «وماتركت من الصحاح اكثر» ((539)).

اذا كان عند البخاري مائة الف حديث صحيح ولم يخرج منها الا 8000 حديث، فهذا يعني اننا خسرنا 92 الف حديث صحيح!!! وهو رقم يفوق رقم عددالاحاديث الصحيحة الموجودة الان بكثير: ولو قلنا ان البخاري يحفظ اربعين الف حديث صحيح وهي الموجودة في كتب السنن فيبقى الاشكال قائما ومعناه انناخسرنا 52 الف حديث صحيح كان يحفظها البخاري.

اما ابو زرعة الرازي فقال فيه الحافظ ابو بكر محمد بن عمر الرازي: «لم يكن في هذه الامة احفظ من ابي زرعة، وكان يحفظ سبعمائة الف حديث، وكان يحفظ مائة واربعين الفا في التفسير والقراءات» ((540)).

وقال الحافظ يحيى بن منده: «وبلغني باسناد هو لي مسموع ان ابا زرعة قال: انا احفظ ستمائة الف حديث صحيح، واربعة عشر الف اسناد في التفسير و القراءات...»((541)).

ان عدد الاحاديث الصحيحة عند المحدثين سبعمائة الف حديث وهو الرقم الذي كان يحفظه ابو زرعة ويؤيده ما صح عن احمد بن حنبل انه قال: «صح من الحديث سبعمائة الف وكسر» ((542)).

فاين ذهبت هذه السبعمائة الف حديث التي حفظها ابو زرعة واشار لها احمدبن حنبل ؟!! ان الموجود الان كما قلنا اربعون الف حديث صحيح. وهذا يعني اننا خسرناقرابة 600 الف حديث صحيح!!!. حقيقة: يطول وقوف الباحثين حيارى عندها.اين ذهبت هذه الالاف المؤلفة من الانوار النبوية ؟ ان لدى المحدثين 700 الف حديث صحيح والموجود الان اربعون الفا! الايعني هذا ان اكثر من ثلثي السنة قد اندرس ؟! فهل سنقر بهذه الحقيقة التي تنطق بهاالنصوص ؟ ((543)) وقد يعاند البعض ويقول ان عدد الاحاديث الصحيحة الموجودة الان اكثرمن اربعين الف.

فلنفترض انها اكثر، ولتكن خمسين ((544)) او ستين الفا فماذا يغير هذا من القضية، ان النتيجة ستبقى كما هي، وهي ضياع القسم الاكبر من السنة.

وقد اقر ابو زرعة الرازي بان حديث النبي (ص) لا يحصى، فقد سئل: اليس يقال ان حديث النبي (ص) اربعة آلاف حديث ؟ فقال: «ومن قال ذا؟! «قلقل اللّه انيابه!!» هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول اللّه (ص) ؟»((545)).

تسعة وثلاثون موطا مفقود!!!

فيما سبق كنا نتحدث عما وسعته صدور المحدثين، وهم فضلا عما حملوا من الحديث فقد دونوه في كتبهم، فممن دون الحديث في كتب خاصة: الاوزاعي، والثوري، وحماد بن سلمه،ومعمر بن راشد، والربيع بن صبيح، وهشيم بن شبير السلمي الواسط ي، وجرير بن عبدالحميد، وعبداللّه بن مبارك، ومالك بن انس، وفضلا عن هؤلاء فقد «تلاهم كثيرون من اهل عصرهم في النسج على منوالهم، ومن ثم نجد انه ما في مصر من الامصار الاسلامية الا وقد جمع الاحاديث فيه امام او ائمة..

. والاثر الباقي من كتب هذا القرن الثاني الهجري هو الموطا» ((546)).

لقد ذكر ابو شهبة عشرة اسماء ممن دونوا الحديث وقال: تلاهم كثيرون في النسج على منوالهم. وذكر الدكتور نور الدين عتر: ان عدد الموطت في هذا العهداربعون موطا ((547)) ولكن الاثر الباقي كما يقول ابو شهبة هو موطا مالك!! اين ذهبت كتب الحديث هذه ؟ وكم تحوي من الحديث يا ترى ؟! هذا بشيربن هشيم الواسط ي وهو ممن كتب في هذا القرن كان يحفظ عشرين الف حديث.((548)) ولا نريد ان نقيس حفظ الاخرين على حفظه، ولكن لناخذ موطامالك الاثر الباقي من الاربعين! هذا الاثر يحوي 700 حديث. ولو افترضنا ان كل موطا من هذه الموطت يحوي 700 حديث لبلغ عدد الاحاديث الضائعة ثمانية وعشرين الف حديث!! مع ان هناك موطت اكبر من موطا مالك كموطا ابن ابي ذئب ((549)).

عشرات المسانيد مفقودة!!!

المسند: هو عبارة عن كتاب حديث، يرتب صاحبه الاحاديث فيه حسب رواتها وان اختلفت موضوعاتها، واذا اردنا ان نكون دقيقين في التعريف فان المسند هو «الجزء الذي تجمع فيه احاديث رجل معين، كمسند ابي بكر الصديق، ومسند عمر بن عبدالعزيز» ((550)).

لقد درج العلماء على كتابة الحديث بهذه الطريقة، ولكن اكثر مسانيدهم قدفقدت، او لم تتم... والمذكور منها: 1 مسند ابن صبيح.

قال عز الدين التنوخي: «ومن المؤسف انا لا ندري شيئا عن مصير مسندابن صبيح» ((551)).