|
بمعنى ان الانتما
العرقي بمفرده لا يستطيع ان يكون قاعدة
صلبة في الاستراتيجية التركية في البلقان، الا في
بلغاريا.
بل اكثر من ذلك، فان النظر من زاوية عرقية الى
الشان البلقاني
لن يكون في مصلحة تركيا، في ظل النزعة القومية
القوية
لدى اكبر مجموعة مسلمة في البلقان وهم الالبان.
وعلى سبيل
المثال، فان اتراك كوسوفا وعددهم لا يتعدى
الخمساوعشرين
الفا، ويتمركزون في مدينة بريزرين، يشكون من
اضطهاد
الالبان المسلمين لهم، وهم ليسوا مع انفصال
كوسوفاعن
يوغسلافيا التي منحتهم حقوقا ثقافية كاملة بعد
الغا الحكم
الذاتي في كوسوفا عام 1989م، بعدما لم يكن
ذلك متوافرا لهم
في ظل سيطرة الالبان الكوسوفيين على الاقليم في
اثنا فترة
الحكم الذاتي بين عامي 1974م و1989م. بل ان البان
كوسوفا،
وفقا لما ورد في صحيفة تركية عام 1997، يضعون نصب
اعينهم هدف جعل اتراك كوسوفا البانا،ف «نحن البان
اولا ثم
مسلمون» يقول احد الالبان.
بعد تاسيس الجمهورية عام 1923م، انكفات تركيا على
نفسها
لتثبيت دعائم الجمهورية الوليدة الطالعة، معجزة،
من
بين ركام معاهدات تمزيقها، وفقا لشعار اتاتورك
الشهير: «سلام
في الوطن سلام في العالم». ومع انتها الحرب
العالمية
الثانية التي وقفت تركيا فيها على الحياد، كانت
معالم النظام
العالمي الجديد ترسو على ظهور قطبين رئيسيين:
المعسكر
الغربي الاطلسي والمعسكر الشيوعي السوفياتي.
اختارت تركيا ان تكون جزءا من المعسكر الاطلسي، حيث
التزمت طوال مرحلة الحرب الباردة مقتضيات ما
يرسمه الحلف. لذا لم تكن للمنطقة البلقانية اي
خصوصيات
استثنائية خارج السياسات الاطلسية. ولم تشهد
«الجبهة
البلقانية»لتركيا، خلال هذه المرحلة، اي توترات
سوى خلافها
مع اليونان، فضلا عن تدفق المهاجرين البلغار
الهاربين
من سياسات تودورجيفكوف في «بلغرة» وتنصير اتراك
بلغاريا
ومسلميها. ان مرحلة الحرب الباردة اضافت الى تركيا
حضوراجديدا في البلقان واوروبا عموما من خلال
عضويتها في
العديد من المنظمات والمؤسسات والتجمعات ذات
الطابع الاوروبي او البلقاني. من ذلك عضويتها في
المجلس
الاوروبي وعضويتها كشريك في الاتحاد الاوروبي،
وعضويتها
في مؤتمر الامن والتعاون الاوروبي، وعضويتها في
منظمة
التعاون الاقتصادي للبحر الاسود التي ابصرت النور
بعد
انتهاالحرب الباردة وضمت دولا بلقانية مثل
مولدافيا ورومانيا
وبلغاريا واليونان. ومن خلال هذه المؤسسات تمارس
تركياحضورا سياسيا واقتصاديا، فضلا عن حضورها
العسكري
عبر حلف شمال الاطلسي ومنظمة اتحاد غرب اوروبا،
في منطقة البلقان.
عام التحول في علاقة تركيا بالبلقان كان بالتاكيد
عام 1989
وما تلاه، مع بدء انهيار المعسكر الشيوعي وظهور
النزعة الديموقراطية في دول البلقان الشيوعية مثل
رومانيا
وبلغاريا والبانيا، وصولا الى انفجار النزعة
العرقية والدينية مع
بدءتفكك الاتحاد اليوغسلافي، ومضاعفات ذلك على
موازين
القوى في كامل المحيط البلقاني.
ويمكن تحديد عناصر السياسة التركية الراهنة حيال
الاوضاع
البلقانية كما ياتي:
1 ان تركيا، رغم تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار
الشيوعية، ما
زالت حاجة اميركية. فواشنطن في اطار تعزيز
هيمنتهاعلى
المناطق الشيوعية السابقة، تحتاج الى ذراع ضاربة
في
المحيطات الاقليمية للمعسكر الشيوعي السابق في
البلقان والقوقاز وآسيا الوسط ى والشرق الاوسط
لمنع عودة
الهيمنة الروسية من جهة، ولمواجهة الحركات
الاسلامية
الاصولية المعادية لاميركا من جهة اخرى. وبنا على
ذلك فان
تركيا في حركتها الاقليمية، بما فيها البلقانية،
هي جزء من
الحركة الاميركية.
2 ان تركيا في حركتها البلقانية، تسعى الى تعميق
التفكك
البلقاني ولا سيما الاتحاد اليوغسلافي انطلاقا من
كون يوغسلافيا، وعمودها الاساسي صربيا، هي حليف
لعدوتها
الاولى اليونان. وما يضعف حلفا اليونان من شانه
اضعاف اليونان.
العامل اليوناني، هنا، حاسم في تحديد خيارات تركيا
في
البلقان. لذا كانت تركيا من اوائل المعترفين
باستقلال كرواتيا
وسلوفينيا ومقدونيا والبوسنة هرسك عن يوغسلافيا،
وذلك
في 6 شباطر فبراير 1992.
3 الا ان اي تفكيك من شانه، تقوية الوضع اليوناني،
هو موضع
رفض تركي. فاذا كانت تركيا مع مبدا التفكيك
في يوغسلافيا،
فهي ضد اي تفكيك تستفيد منه جارتاها المباشرتان
اليونان
وبلغاريا. والمقصود هنا الحالة المقدونية،
التي هي محط تطلع
ثلاث قوى، وهي بلغاريا واليونان والبانيا كوسوفا،
وهذا ما لا
تقبله تركيا.
4 ان تركيا، منذ العام 1990 وحتى اليوم، تلجا الى
سياسة
المحاور والاحلاف، انطلاقا من خصوماتها
التاريخية والجغرافية
مع اليونان ومن خصوماتها الدينية مع العالم
الارثوذكسي
الممثل باليونان وصربيا وروسيا والى حد مابلغاريا.
لذا نشطت
الديبلوماسية التركية في خلال الاعوام الاخيرة
لاقامة علاقات
متينة مع الدول المتخاصمة مع الكتلة السلافية
الارثوذكسية،
ومع الدول ذات الاكثرية الاسلامية، مثل كرواتيا
وسلوفينيا
والبوسنة هرسك والبانيا ومقدونياورومانيا.
وحاولت، بنجاح
محدود، اللعب على الخلافات البلغارية اليونانية
حول
مقدونيا، للتقارب مع بلغاريا.
5 ان تركيا، العلمانية، لا يمكن ان تتجاهل ضغط
الشارع
التركي المسلم ووجود مئات الالاف من المتحدرين من
اصول بلقانية في تركيا. لذا فان سياسة استخدام
العامل الديني
والعرقي خارج حدودها، احدى ركائز السياسة
الخارجية التركية. وهذا ما تسعى له انقرة عبر
دعمها للشيشان
واتراك روسيا الاتحادية وجمهوريات القوقاز وآسيا
الوسط ى وتركمان شمال العراق واتراك قبرص
الشمالية. وهذا
ما تقوم به عمليا في البلقان حيال كل الاقليات
التركية والمجموعات المسلمة. وقد عكس الرئيس
الراحل
طورغوت اوزال هذا الواقع عبر شعاره الشهير: من
الادرياتيك
الى سور الصين، وبالتالي وحدة ما يسمى العالم
التركي. وهو ما
كان ذهب اليه سابقا احد الكتاب الاوروبيين من ان
فارسايخرج
من ضفاف الادرياتيك الى حدود الصين، لن يجد صعوبة
في
التعبير عن همه اذا كان يعرف بعض اللغة التركية.
حروب البلقان الداخلية، في البوسنة وكوسوفا، هي
حروب
المصالح الاميركية في العالم، وحروب
الحضارات الاسلامية
المسيحية والمسيحية المسيحية، لكنها كذلك حروب
تركيا
بارثها العثماني وتطلعها الطوراني اسلاميا
كان نظامها ام
علمانيا.
ابراهيم الموسوي:
بوصولنا الى نهاية المحور الثالث، نفتح المجال
رحبا امام
السادة الحضور، للتحدث في المحور الرابع، وهو:
«آفاق
الحل واحتمالاته في ضوء ما تم الكلام عليه من
قضايا من قبل
السادة المنتدين».
الشيخ خالد العطية:
نشكر السادة المنتدين على ما تفضلوا به من معلومات
غنية
وتحليلات عميقة لمشكلة المسلمين في البلقان...
ولكن يبقى
هناك سؤال يهم المعنيين بالشان الاسلامي بالخصوص،
وهو
يتعلق بالحالة الاسلامية في هذه المنطقة، بمعنى
انه هل يوجد
هناك وعي اسلامي حقيقي الان عند مسلمي البلقان؟ وهل
توجد لديهم مؤسسات دينية فاعلة ومنظمات اوحركات
اسلامية ناشطة في الوقت الحاضر؟
نحن نعرف ان هذه المنطقة قد تعرضت لمحاولات كثيرة
ومتكررة لطمس هويتها قبل الشيوعية وبعدها. فمن خلال
مانعرفه من تاريخ هذه المنطقة، ومن خلال الدخان
الكثيف
للازمة الحالية، ما تتعرض له من محاولات كثيرة
لطمس هويتها، هل يمكن ان نتبين، من خلال ذلك كله،
ما
يمكن ان ندعوه بانبعاث اسلامي، او طليعة انبعاث
اسلامي في
هذه المنطقة؟
السيد الامين:
ان مسلمي البلقان يتوفرون، على المستوى البعيد
والشامل
لانتمائهم، على مستلزمات انتمائهم الاسلامي،
وذلك لاسباب
عديدة لا مجال للكلام عليها بالتفصيل الان. ولكن
يمكن
القول: ليس اقل هذه العوامل الشعور بالانتما
الى الهوية
الاسلامية، وتعميق هذا الشعور. وبلورة الوعي
الاسلامي على
المستوى الذي نطمح اليه ليس متوفرا الا في
بعض الحواضر
الاسلامية في مرحلتنا المعاصرة، فكيف يمكن ان
يتوافر لدى
المسلمين الذين عاشوا ظروف الابتعاد عن الاسلام
بهذه
الصورة التي نعرفها، وخصوصا بالتداعيات التي طرات
على
المسلمين بعد انهيار الدولة العثمانية
وولادة الدولة الشيوعية
في البلقان ومحاولات تفكيك الهوية الاسلامية.
لكن نحن نعتقد ان هناك ارتباطا بين مسلمي البلقان
وبين
هويتهم الاسلامية على نحو ملفت للنظر. ونعتقد ان
اسباب هذا
الارتباط تكمن ربما في الشعور الدائم لدى هؤلا
المسلمين،
بالاستهدافات العنصرية التي واجهتهم،
والتي تواجههم الان،
انهم يحاولون ان يجعلوا من هويتهم الاسلامية الحصن
الذي
يتحصنون به لحماية هذه الخصوصية، هم ربما لا
يتوفرون على
بلورة كاملة لوعيهم العقائدي الاسلامي، وربما لا
توجد لديهم
المؤسسات الكافية لذلك، ولكنهم الان اكثر من اي
وقت مضى
يقدمون هذا الانتما بوصفه ابرز عناصر هويتهم،
ويطمحون الى
تواصل مع العالم الاسلامي، ومع مشروع النهوض
الاسلامي
بصورة مضاعفة عما كانوا عليه في السابق. وسبب ذلك،
كما
قلت، هوشعورهم الميداني بهذا الاستهداف الرامي الى
انتزاع
وجود المسلمين في اوروبا وانتزاع هويتهم. هم يشعرون
بذلك اكثر مما نشعر به نحن، مهما كانت غيرتنا على
المسلمين
كبيرة وحارة، ولكن لا يشعر بهذه الخطورة الا من
يصطلي بنارها. وهم اكثر شعورا بنار الاستهداف الذي
ذكرت.
وهذا يرتب، من وجهة نظري، ان نقيم بيننا وبين هؤلا
المسلمين جسورا حقيقية من التواصل، بحيث يشعرون
بانهم
ينتمون الى عالم اسلامي ليس بعيدا عنهم، وعالم
اسلامي
يمكن ان يكون ركيزة اساسية للدفاع عنهم، ولتقديم
ما
يحتاجون اليه من اجل ممارسة حقهم الطبيعي في بلورة
هويتهم وفي ان يكون لهم وجود معترف به، حتى ولو
كانوا في
اوروبا حيث يمثل المسلمون اقلية.
لماذا يحصل، في هذه المرحلة، في اوروبا، هذا النوع
من تجاهل
حقوق الاقليات فيما يحاول الفكر الغربي عموما
ان يدين
المنطقة العربية الاسلامية بانها تتجاهل حقوق
الاقليات؟
ويثير موضوع الاقليات في البلاد الاسلامية
والعربية؟ان انتهاك
حقوق الاقليات، اذا اردنا له نموذجا حيا، سنجد هذا
النموذج
في مسلمي اوروبا عموما ومسلمي البلقان خصوصا.
ينبغي
اطلاق قضية هؤلا المسلمين وبلورتها بوصفها مصدر
ادانة
لهذا النظام العالمي الجديد، الذي يتنكرللمسلمين
ولحقوقهم
في مختلف المواقع، وخصوصا لحق المسلمين في ان
يكونوا
جزءا من تكوين الاجتماع السياسي في اوروبا نفسها.
د. الاناؤوط:
الحقيقة اشكر الشيخ خالد على هذا السؤال، وعلى
اثارة هذا
الموضوع المهم للغاية. ويبدو لي، كما قلت منذ شهر
في ندوة
في القاهرة: ان المسلمين في البلقان يبدون ضحية
تفسيرين
او رايين مختلفين:
الراي الاول يقول: انهم مسلمون بالاسم، لا يعرفون
من الاسلام
الا القليل، ما يعني انه يجب حقنهم وتوعيتهم
واعادتهم الى
جذورهم الاسلامية.
والراي الثاني متناقض تماما مع الاول، وهو يقول:
انهم
متعصبون، او اصوليون، يت آمرون على البوسنة
وعلى يوغوسلافيا وعلى اوروبا. طبعا هذا ما كانت
تركز عليه
الحملة الصربية. وذلك، وكما تفضل الاخ الدكتور نور
الدين،
فان صربيا، في حملتها، كانت تركز على انها تقوم
بحماية
البوسنة وصربيا ويوغسلافيا، والعالم من هؤلا
الاصوليين المسلمين.
نجد رايين مختلفين في الحقيقة. الامر بين هذا وذاك،
لا
يمكن التعميم لا في يوغسلافيا ولا في اطار البلقان،
الحقيقة يوجد نوع من التباين، نجد الحالة
اليوغسلافية والحالة
البلقانية والحالة البلغارية. هناك تباين شديد بين
هذه
الحالات،في ما يتعلق بالمسلمين، بوعيهم لذاتهم،
بممارستهم
لشعائرهم وهويتهم.
من مفارقات القرن العشرين في البلقان، في ما يتعلق
بالبانيا،
ان البانيا هي الدولة الاوروبية الوحيدة ذات
الاغلبية المسلمة،
في 1967م، في المرسوم الشهير الذي يتضمن «الغا
الدين»،
كانت اول دولة في العالم، تجاوزت الصين والاتحاد
السوفياتي،
في الغا الدين واعلان نفسها اول دولة ملحدة. وبنا
على ذلك،
لم تعد الدولة، بوصفها دولة،تعترف لا بالمؤسسات
ولا بالاديان.
وممارسة الصلاة في البيت اصبحت تقود الى معسكر
العمل، او
السجن.
وبنا على ذلك، لا تقارن هذه الحالة مع بلغاريا
التي تمثل حالة
وسطا. بينما يوغسلافيا كان فيها شي ء من المرونة في
مايتعلق
بالمسلمين، خصوصا بعد سنة 1966م، حيث بدات هناك
سياسة مختلفة قطعا لمصالح يوغسلافيا وبخاصة ضمن
حركة
عدم الانحياز والتوجه نحو العالم الثالث الذي حققت
فيه
يوغسلافيا مكاسب كبيرة، وبالتالي ما كان
يمكن ليوغسلافيا ان
تقود مثل هذه الحركة وتمارس في الداخل ضغطا على
المسلمين وترويعا لهم. ما يؤكد هذا انه بعد
عام 1966م. انتهى
مسلسل الهجرة شرقا نحو تركيا، استقر، لاول مرة، عدد
المسلمين في تاريخ يوغوسلافيا، ثم بدا
نموهم الطبيعي. هكذا
كانت هناك مرونة في ما يتعلق ببنا الجوامع، وغير
ذلك.
الحملة الصربية، ضد سياسة تيتو وضدالمسلمين كانت
تستند
الى احصائية بسيطة مفادها ان المسلمين في البوسنة
بنوا من
الجوامع خلال امبراطورية تيتو مايفوق ما بني خلال
الامبراطورية العثمانية. هذا القول قد يكون فيه بعض
المبالغة،
ولكنه يعكس هذا التحول. الحقيقة انه في البوسنة،
ومن ثم في
كوسوفو، بدات حركة تجدد بعد عام 1966م، بدات حركة
بنا
المدارس، وفتحت الكلية الشرعية الاسلامية التي
قيل فيها: «ان
هذه الكلية ستحول سراييفو الى قاعدة لنشر
الاسلام». هذا
الكلام الكبير، كان الطرف الاخر يفهمه بمعنى
اسلمة
يوغسلافيا. واصبح تعبير اسلمة يوغسلافيا، يفهم منه
شي ء
مختلف تماما، بمعنى انه يريد ان يحول يوغسلافيا
واوروبا الى
بلاد اسلامية.
لذلك، انا اعتقد انه لدينا تباين الان، وعلى الاقل
خلال الحكم
الشيوعي، وحتى احيانا داخل الدولة الواحدة وحتى
في الدول
المتجاورة. وابلغ مثال على ذلك البانيا ويوغسلافيا.
ولذلك، مع
سقوط النظام الشيوعي في البانيا لدينا حالة مريعة
لان البانيا
عام 1967م، عند صدور قرار الغا الدين كان عدد
سكانها، لنقل
مليونا ونصف، في التسعينات اصبح ثلاثة ملايين،
مليون ونصف
الباني ولدوا في هذه المدة التي لم يعرفوا فيها
شيئا عن الدين
او عن الاسلام. وبالمناسبة اغلقت جميع الجوامع
والكنائس
وحولت الى اماكن عامة: متاحف، مخازن، و... وهنا،
بالنسبة
لالبانيا، يختلف الوضع عن يوغسلافيا. لدينا نوع من
الانقطاع
الذي لا مثيل له في اوروبا الحديثة والمعاصرة،
حقيقة، منع
شعب بكامله من التواصل مع جذوره الروحية
والثقافية، وبقرار
فوقي. لذلك، ما حدث في التسعينات، وهذا موثق
تلفزيونيا
وصحفياملفت. كيف عاد الناس الى جذورهم ومكوناتهم.
عندنا،
في البانيا ويوغسلافيا، ظاهرة لابد من التوقف
عندها، اخذابعين
الاعتبار ان هناك في عالمنا العربي والاسلامي من
يعد هؤلا
مسلمين بالاسم يحتاجون الى توعية. وقد ذهبت
الى المنطقة
جامعات كثيرة وجمعيات كثيرة، ولا شك في ان بعضها
احسن
التصرف، ولكن هناك جانب سلبي يتمثل في ان هذه
الجماعات
الاسلامية نقلت جميع خلافاتها ومشاكلها الى ذلك
الجزء البكر
اذا صح التعبير من العالم.
ان هذه الخلافات تؤدي الى ضياع المسلمين في الامور
الصغيرة (كيفية الصلاة وكيفية وضع اليد...) وبالتالي
الى
ان يتحير المسلمون امام هذه الاغراق في التفاصيل.
هناك موضوع آخر اريد ان اركز عليه، واعتقد انه من
اهم
المواضيع، وهو ان المسلمين، هناك، متهمون في
اوروبيتهم،بمعنى ان المسلم هناك، الالباني مثلا،
لا يمكن ان
يكون مسلما واوروبيا في الوقت نفسه والحملة
الصربية،
والصليبية عموما، تركز على هذه الناحية. ان
الاوروبي، اذا اصبح
مسلما، فكانه يخون قارته. وبالتالي لابد من ان يكون
جزءا
من المؤامرة الاسلامية العالمية.. مشكلة
المسلمين، الان، في
البلقان هي مسالة هوية، كيف يمكن للمسلم ان يوفق
بين اسلامه وبين اوروبيته؟
كيف يمكن، اذا اخذنا جميع هذه الم آسي بعين
الاعتبار، ان
يمثل المسلم وجودا اسلاميا، وفي الوقت نفسه لا
يكون هذا
الوجود من منظور الاخر خطرا يهدده؟ اعتقد ان هذه
المسالة
تستحق منا الاهتمام والتفكير، وهنا يطرح
السؤال:كيف يمكن
ان نتواصل ونتعاون مع هؤلا المسلمين؟
د. نور الدين:
انا اؤيد د. الارناؤوط، ولكن ارى ضرورة التمييز،
وسؤال سماحة
الشيخ لا يمكن تعميمه. اعتقد ان سؤال سماحة
الشيخ عن
الحركات الاسلامية، يعني الاسلام السياسي الذي ظهر
في
تركيا او ايران، او في بلدان اخرى: هل موجود اولا؟
احب ان اذكر بشي ء، وهو انه في تركيا، منذ عهد
اتاتورك والى
الان، الذي حمى البنية التحتية للاسلام آنذاك هو
الطرق الصوفية، التي لم تظهر علنا، وبالتالي لم
تكن عرضة
لعين السلطة لكي تراها وتضربها. لهذا السبب، مثلا،
تجربة
الحركة الاسلامية في تركيا، في عهد اربكان، ضربت
في النهاية،
لانها كانت مكشوفة، اضافة الى اسباب اخرى. والبلقان
بالذات كانت احدى القواعد الاساسية لنشاة الطرق
الصوفية في
الدولة العثمانية، وفي مقدمتها الطريقة البكداشية.
فالبنية التحتية الاجتماعية للاسلام في البلقان
موجودة. ولكن
متى تتوفر الفرصة لتبلور هذا الوجود الى حركة
سياسية،الى
تطلعات سياسية معينة؟ اعتقد ان الاسلام، في
البلقان، كان
امامه حاجز امام تبلور حركة اسلامية، بالمعنى
المعروف في
العالم الاسلامي او العالم العربي، حاجز يتكون من
عدة عوامل،
اولا: هناك خمسون عاما من الحكم الشيوعي،تماما كما
هي
آسيا الوسط ى بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. ذهب
اجاويد، وكان
في المعارضة الى آسيا الوسط ى لدراسة الوضع. رجع،
وقال: لا
تحلموا في ان تصبح هذه الدول ديمقراطية، انها تحتاج
الى
خمسين سنة لتصبح ديمقراطية، لان البنية
الاستبدادية
متجذرة فيها، والبنية العشائرية القبلية وبخاصة في
تركمستان، لا يمكن ان تنتج بنية ديمقراطية في وقت
قصير.
لهذا السبب، خمسون عاما من الحكم الشيوعي لا يمكن
مع
الضغط والقمع ان تنتج فجاة، خلال سنوات معدودة،
حركة
اسلامية معينة. ثانيا: هناك ظروف دولية واقليمية،
تحول دون
ظهور حركة اسلامية، منها: ظهر الاسلام في البلقان
بعد انتها
الحرب الباردة وظهور الولايات المتحدة الامريكية،
بوصفها
قائد النظام العالمي الجديد، وهي عامل ضاغط، على
جميع
الانظمة هناك لمنع ظهور حركة اسلامية. ايضا تركيا
كانت
تقف عائقا امام هذا الامر، ولاتشجع مثل هذه
الحركات، لان
ذلك ينعكس عليها سلبا في الداخل. وايضا جميع
الانظمة في
البلقان هي معادية للاتراك، ان كانت سلافية او
البانية، وبالتالي
عامل العدا لتركيا كان يجعل من اي حركة اسلامية
موضع
مراقبة، ايضا:ظهور عامل حركة اسلامية سياسية هو
عامل نزاع
وتفجير. يعني اذا ارادوا انشا حركة اسلامية في
البانيا، يعني
ذلك تقسيم البانيا ورفض كاثوليك الشمال وارثوذكس
الجنوب
بقاهم في البانيا موحدة ومع ذلك، ظهرت ملامح اعتقد
انهالم
تدرس كفاية، وتتمثل في مشروع علي عزت بيغوفيتش،
زعيم
المسلمين في البوسنة، كان عنده مشروع
اسلامي متكامل،
وربما كان احد العوامل لمنع «البوسنة والهرسك» من
ان تعود
موحدة.
السيد صاحب الموسوي:
هل الهجوم الوحشي للصرب في كوسوفو كان نتيجة نشاط
المسلمين ضدهم؟ وهل يهدد ذلك مصالح الصرب؟
يرجى بيان
طبيعة هذا الهجوم؟
د. الارناؤوط:
باختصار شديد، كان مطلب المسلمين، حتى نهاية عام
1997م،
يتمثل باستعادة الحكم الذاتي الملغى في عام
1989م.المسلمون ما كانوا يطالبون بشي ء خارق. كانوا
يطالبون
بما كان لهم، وبما مورس طويلا، فالحكم الذاتي، الذي
الغي
عام 1989م، بدا يتبلور مع الاصلاحات الدستورية التي
اشرت
اليها في عام 1968م. واخذ شكله النهائي في دستور
عام 1974م. ومن ثم هذه الحقوق مورست بنا على الدستور
والاصلاحات الدستورية مدة عشرين سنة، واصبحت
تشكل امرا
واقعا قائما. لذلك يعد الغا هذا الحكم الذاتي في
عام 1989م، هو
الذي فجر الوضع ودفع المسلمين الى المظاهرات
والاشتباكات. مشكلتنا اننا لم نكن نتابع ما يحدث،
ولم نعرف ما
تبع الغا الحكم الذاتي: المظاهرات والاشتباكات،
والتنديدات
والاحتجاجات والتداخلات الدولية المختلفة. وفجاة
سمعنا
باسم كوسوفا مع عامي 11997م، ومع التدخل الاطلسي
الاخير.
فالمشكلة ليست في نشاط جديد وغير مالوف، او نشاط
فيه نوع
من التعدي على الصرب، فهذا النشاط كان حركة واسعة
النطاق
تطالب باستعادة الحقوق التي كانت موجودة حتى
عام 1989م.
وفي ما يتعلق بالشق الثاني من السؤال اقول: اخذت
صربيا ترى
ان هذا الدستور فصل تفصيلا ضد صربيا، لانه،
وكماتفضل
سماحة السيد ود. نور الدين، ان يوغسلافيا، في
الجوهر، مشروع
صربي، ومع هذه الاصلاحات الدستورية اصبحت
يوغوسلافيا
تقوم على ثماني وحدات فيدرالية منها صربيا، فصربيا
اصبحت
مجرد صوت، وحدة فيدرالية ضمن فيدرالية مؤلفة من
ثماني
وحدات. ولذلك صربيا اخذت ترى ان هذه مؤامرة
كاثوليكية
مسلمة لتحجيمها في الداخل، لذلك توجد الان هذه
الحركة
الصربية المعارضة لتيتو ولغير تيتو والتي اخذت
تعمل على
استعادة صربيالدورها السابق والغا الحكم الذاتي
لكي تعود
كوسوفا تحت سيطرتها من جديد.
سؤال: هناك نوع من الالتباس في التسمية، هل هي
كوسوفو،
او كوسوفا؟ وهل يستبطن كل اسم فكرة معينة؟
د. الارناؤوط:
لقد صدر لي كتاب حول الاسم. الصراع يبدا لغويا
وثقافيا ودينيا
وسياسيا. اقول، لغويا، لانه بين شعبين مختلفين
تماما،من
حيث اللغة والاصول العرقية وغير ذلك. فلذلك كل شعب
له
تسميته الخاصة، الصرب يقولون: كوسوفو،
والالبان يقولون:
كوسوفا (بالالف). وما يشابه ذلك تسمية اليهود الضفة
الغربية
بيهودا والسامرة. الفلسطيني لا يمكن ان يسمي الضفة
الغربية
يهودا والسامرة، والالباني لا يمكن ان يسمي بلاده
«كوسوفو»،
لانه عندما يقول «كوسوفو» يكون قد بدامسلسل
التنازل
للتسليم بمطالب الاخرين.
وقال الشيخ علي عزيز الابراهيم، بعد شكر الشيخ خالد
ومركز
الغدير والمنتدين: سؤالي الى د. الارناؤوط، وفيه
فروع:
1 ما اوجه الشبه بين اسرائيل وصربيا وبين الفكر
الصربي
والفكر الاسرائيلي؟ وهل هناك تعاون بين اسرائيل
وصربيا؟هل
هناك يد لليهود في ما يجري للمسلمين من مذابح وآلام
وقتل
وتشريد؟
2 ما هو موقف رابطة العالم الاسلامي مما يجري على
المسلمين في كوسوفا؟ واقول: ما هو موقف المؤتمر
الاسلامي في جدة كذلك؟ هناك على الابواب مؤتمر في
طهران اسمه: مؤتمر الوحدة الاسلامية، ماذا تعني
المذابح في
كوسوفالهذا المؤتمر؟ وما هي واجبات هذه المؤتمرات
وهذه
الدول؟
3 ما هو موقف الجمهورية الاسلامية الايرانية مما
يجري على
ارض يوغسلافيا وعلى المسلمين من محن وخطوب؟اعتقادي
ان المسلمين ليسوا بحاجة الى طعام وارز وسكر، هم
بحاجة
الى من يتواصل معهم ويعطيهم القوة
المعنوية،ويشعرهم بان
لهم اخوة وبان لهم مددا وسندا وعونا في مختلف انحا
العالم
الاسلامي؟
د. الارناؤوط:
اكتفي بالسؤال الاول حول اوجه الشبه بين اسرائيل
وصربيا،
حقيقة المشروع الصربي، منذ ان ظهر في منتصف
القرن التاسع
عشر، مع ما يسمى بمشروع بروشيني، وزير الداخلية،
يقوم على
الحق التاريخي، ما يعني ان كوسوفا كانت جزءامن
الدولة
الصربية او كانت قلب الدولة الصربية في القرون
الوسط ى،
وبالتالي لها قداسة. ومرة اخرى، المشروع
الصربي يقوم اليوم
على الحق التاريخي بغض النظر عما تغير على الارض
بعد
خمسة قرون. في عام 1912م، عندما قامت صربيا، ضمن
الحرب
البلقانية، بتحرير كوسوفا، كان الوضع قد تغير، لان
هذه
المنطقة اصبحت مهد الاسلام في البلقان،«بريشتينا»
فيها اهم
الجوامع واقدمها في البلقان. فيها جامع محمد الثاني
الذي
يعود الى القرن السادس عشر، فيها تحف معمارية
اسلامية
مهمة على المستوى البلقاني.
هذا التركيز على موضوع قداسة كوسوفا ملحوظ. ان
الصحافة
الصربية، في المدة الاخيرة، تركز على ان كوسوفا
هي منطقة
مقدسة، هي قدس الصرب، وهذا التركيز لم يتوان حتى
نائب
رئيس الوزرا على التصريح به لجريدة الحياة.
اقول: ان هذا امر خطير. بعبارة اخرى: الحق التاريخي
يوحي ان
القدس مهمة، وهي لليهود فقط، وليس مهمة
للطرف الاخر،
واذا كانت مهمة لليهود في لحظة ما، فهي مهمة جدا
للطرف
الاخر، العربي والاسلامي، وهي اولى القبلتين
وثالث الحرمين،
وعندما نقول في الحملة الصربية ان هذه هي قدس الصرب
فهذا يثير هذه النزعة، التي لا تعترف بالاخر،
وتريدان تنفي
الاخر من وجوده الواقعي.
ان هذه الارض عزيزة على الطرفين، كما يدعي الصرب
انها
كانت، في القرون الوسط ى، مهد الدولة الصربية،
اصلاكوسوفا
كانت جزءا من بلغاريا قبل ان تصبح جزءا من صربيا.
لذلك
البلغار، حتى سنة 1917م، كانوا يطالبون
بكوسوفا،كوسوفا
لانهم كانوا يعدونها جزءا من دولتهم في القرون
الوسط ى، ثم
بعد خمسة قرون اصبحت هذه المنطقة ذات غالبية
مسلمة،
وفيها اهم المنش آت الاسلامية في البلقان خارج
تراقيا
الشرقية.
لذلك، مرة اخرى، اقول: مفهوم الحق التاريخي مفهوم
خطير
جدا، يقوم على نفي جميع التغيرات الثقافية
والديمغرافية الحاصلة منذ قرون على الواقع، ما
يعني ان هذه
المتغيرات لا مكان لها عند القائلين بما يسمى بالحق
التاريخي.
الحق التاريخي على نمط الاسترداد الاسباني ينفي
كل ما حدث
ولتعود الاندلس الى ما كانت عليه قبل الفتح
الاسلامي، وهذاما
يحدث في البوسنة. وهذا ليس بتطهير عرقي فحسب، هو
تطهير ثقافي. جامع فرهاد، مثلا، يعد من اهم
جوامع البوسنة
والبلقان، بلغم واحد يطير هذا في الهوا، والان لا
وجود له. هل
يمكن ان نفكر في ان المسلمين قاموا بعمل مثل هذا مع
اية
كنيسة صربية. المسلمون هم الذين حافظوا على الكنائس
الصربية طوال هذه القرون. لدينا موقف خطيرجدا، هذا
الاصرار
على الحق التاريخي له نتائج سيئة وم آس.
السيد الامين:
انا لا اريد ان اعقب لان الصيغة التي طرح فيها الاخ
الشيخ
موضوع المؤتمر الاسلامي ومنظمة العالم الاسلامي
هي صيغة
نشاركه فيها. هو لا يريد ان يسال، ولكن يريد ان يقول:
ان هناك
تقصيرا في هذا الشان. ونتمنى ان تكون هذه الندوة
بمثابة
صوت حقيقي موجه الى هذه المؤسسات الهامة لمزيد من
الاهتمام الجدي بهذا الموضوع وعدم اتاحة الفرصة
لامريكا
لتتفرد بفعل عدم وجود فاعلية اسلامية في هذا
المجال.
الموسوي:
هذه الندوة القيمة اتسمت بالشمول والعمق والصدق...
ووفرة
المعلومات وكثافتها، وكل ما قيل فيها مهم، ولهذا لن
اقوم بتلخيصها، كما كنت آليت على نفسي ان افعل في
اي ندوة
اتولى ادارتها... واقترح ان يصدر مركز الغدير
للدراسات الاسلامية وقائع هذه الندوة في كراس
مستقل
تعميما للفائدة.
وختاما للندوة، توجه الاستاذ الموسوي بالشكر الى
المنتدين
والحضور.
«قراات»
قراة في كتاب: «الغزو
الثقافي المقدمات والخلفيات والنتائج»
نبيل علي صالح
مرت على الحياة الاسلامية
مرحلة تاريخية مضيئة من الازدهار
والتطور الثقافي والعلمي والحضاري، شملت
جميع ابعاد حركة
الامة والمجتمع. وقد كان الغرب خلال تلك المرحلة
التي
امتدت لقرون طويلة مستغرقا في حالة نوم عميق خضع
خلالها لاجوا سلبية مظلمة، وسيطرت عليه ثقافة
الكسل
والاسترخا والتعب، وعشعشت في داخله قيم التخلف
والجهل
والظلام. لكن المشهد، على ما يبدو، قد انعكس،
وتبدلت صوره
وتلاوينه المختلفة، فدخل المسلمون في اجوا
التخلف نفسها.
وقد كان ذلك نتيجة طبيعية لانشغالهم عن فهم حقائق
التطور الرباني ونواميسه في التواصل والانفتاح
الواعي
والمدروس على الاخر، وانهماكهم في ملذات الحياة
الدنيا،
وانسياقهم ورا ترهات الحياة واباطيل الوجود. وقد
ادى بهم
ذلك الى العودة للورا، ووقوعهم فريسة سهلة تحت
سيطرة
الغزو الثقافي والسياسي والاقتصادي للاخر الذي
استمر في
فرضها عليهم، منذ بدايات الغزو الصليبي وحتى يومنا
الحالي،
الذي نشهد فيه طغيان اعلى مراحل هذا الغزو لبلادنا
الاسلامية
تحت شعارات انسانية وهمية ومزيفة.
وفي هذا المجال، شكلت مقولة «الغزو الثقافي»
انموذجا عمليا
للجدل الذي دار ولا يزال دائرا بين مختلف
القوى والتيارات
الثقافية والسياسية، العربية والاسلامية، على
مستوى التحقق
من وجود هذا النوع من الغزو حيث لا يزال بعضهم يشكك
بوجوده اصلا ثم فهم طبيعته، ومرتكزاته العملية،
واساليب
مواجهته. وقد انهمكت دوائر ثقافية آوحتى سياسية
كثيرة
عندنا بتسخين او تخفيف حدة التعامل مع هذه المسالة
الهامة،
التي تتصل كما قلنا بالتقدم والتطور (او التاخر)
الحضاري
الاسلامي ككل، خصوصا بعد ان عاد الاسلام المحمدي
الاصيل
الى الساحة الواسعة،وتجذرت امتداداته الحية في صلب
الواقع،
واستانف دوره الحضاري الرائد بعد انتصار الثورة
الاسلامية
المباركة في ايران عام 1979م. بقيادة الامام الخميني
الراحل
(قده).
وبديهي ان ينصب الاهتمام الراهن حول علاقة الاسلام
بالثقافات الاخرى ومنها الثقافة الغربية المهيمنة
حاليا
وتتركزالدراسات الفكرية على ضرورة دراسة مواقع
الغزو
الثقافي والاعلامي المعاصر واجوائه ورموزه،
باعتباره اهم
الاسلحة التدميرية التي يعمل الاخر على الاستفادة
القصوى من
تاثيراتها السلبية على عالمنا الاسلامي، وتحريكها
ضده من
اجل الابقا على تخلفه وهامشيته في مواقع الحياة
جميعها،
والتحذير من المشاركة العملية الفاعلة الى جانب
الغرب في
بناالحضارة الانسانية.
ويبدو هذا الامر اكثر وضوحا امامنا من خلال فهمنا
لطبيعة
القاعدة التي بنت (وتبني) الثقافة الغربية عليها
وجودهاباستمرار، وهي بالدرجة الاولى قاعدة الغزو
الثقافي
الدائم، والحضور الاعلامي الضاغط والمكثف في
جميع الاتجاهات التي نحن على صلة بها بطريقة
مباشرة او غير
مباشرة، بما يؤدي في النهاية الى تمييع ثقافة
الشباب الملتزم بالاسلام بوصفه نهجا حضاريا
ورساليا في
امتداد الحياة كلها، وهدر طاقاتهم، وتسفيه
مواهبهم، وتشويه
السلوك الاجتماعي العام للمسلمين، وفرض رؤية
وجودية
وكونية مادية جديدة عليهم تتناقض جملة وتفصيلا مع
معاييرثقافتنا الاسلامية وابعادها ومعطياتها
القائمة على قاعدة
الوسطية والتوازن الدقيق بين الروح والمادة.
وعلى خلفية هذه المواجهة الحضارية الشاملة بيننا
وبين الغرب
(التي نتمنى ان يكون «الحوار بالتي هي احسن»
عنوانهاوقاعدتها الاساسية) ياتي هذا الكتاب:
«الغزو الثقافي»
الذي يظهر فيه مؤلفه سماحة السيد علي خامنئي متابعا
دقيقا،وراصدا واعيا لموضوع الغزو الثقافي، وذلك من
موقعه
الرسمي والشعبي، ومسؤوليته الرسالية العالية.
لقد جات طروحات هذا الكتاب ومباحثه بمجملها
واقعية
وصريحة كونها انطلقت من خلال انسان مسؤول
عاش شبابه
في حركية الثورة الاسلامية، وكان من الاسلاميين
الاول الذين
انفتحوا على قضايا الاسلام في العصر، فامتلك
آنتيجة لذلك
ذهنية اسلامية مستنيرة وعصرية في فهمها الملتزم
لقضايا
الاسلام والانسان. اي انه كان يلاحق الامور،ويتابع
مجريات
الاوضاع على ارض الواقع اليومي بتفاصيله وتشعباته
جميعها
بعيدا عن حالة المنظر الثقافي العام الذي قد يفكر
في الاجوا
الثقافية الضبابية التي يمكن ان تكون بعيدة في معظم
الاحيان عن حقائق الحياة وتجارب الواقع.
وبطبيعة الحال، نحن لا نستطيع ان نعد هذا الكتاب
اكاديميا
بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، لانه جا على
شكل منطلقات
وبيانات وخطابات ورؤى فكرية ومواقف عملية حيال
مسالة
الغزو الثقافي، تكونت لدى سماحة السيدالخامنئي
خلال مدة
من الزمن، حتى تجمعت ونضجت على خلفية هذه المتابعة
نصوصا كثيفة وغنية تمت اعادة تنظيمها وتنسيقها
واعدادها
من جديد لتخرج بهذه الحلة الفكرية المثمرة.
لقد قسمت مباحث الكتاب الى ثلاثة فصول، حمل الاول
منها
عنوان: «مقدمات تاسيسية في مقولتي: الغزو
الثقافي والتبادل
الثقافي» (ص: 35 80). وفيه تناول المؤلف افكارا نظرية
وتطبيقية تتصل بمفهومي «الغزو» و«التبادل»
الثقافي آضمن
خمسة عناوين رئيسية:
1 مفهوم الغزو الثقافي (ص: 37 38).
2 اهمية الايمان بوجود الغزو الثقافي وضرورة النهوض
لمواجهته (ص: 38 56).
3 الفوارق بين التفاعل الثقافي والغزو الثقافي (ص: 56
65).
4 الخلفية التاريخية والجذور العلمية والثقافية
لايران
المسلمة:
ا الصلة التاريخية بين العلم والدين وانفصالهما عن
بعضهما
ص.
ب ازدهار العلم هدف اساسي للثورة الاسلامية (ص: 65 74).
5 مسؤولية الشباب الخطيرة في تحقيق النمو العلمي (ص:
74 77).
اما الفصل الثاني من الكتاب فقد تمحور الحديث فيه
حول
قضية «العالم الاسلامي والغزو الثقافي» (ص: 83
آ158)حيث تم
تقسيمه الى اربعة اقسام هي:
القسم الاول: لمحة تاريخية عن خط مواجهة الثقافة
الاستكبارية للثقافة الاسلامية (ص: 83 92).
القسم الثاني: علل الغزو الثقافي الاستعماري
للعالم الاسلامي
وجذوره(ص: 95 100).
القسم الثالث: الغزو الثقافي الاستعماري للعالم
الاسلامي
الوسائل والادوات (ص: 103 120).
القسم الرابع:
1 نهوض المسلمين لاحيا حاكمية الاسلام.
2 تبيين الحقائق الاسلامية عن طريق الفن والوسائل
الادبية.
3 اتفاق المسلمين ووحدة كلمتهم.
4 تصدير الثورة معناه بث الثقافة الاسلامية الاصيلة
(ص: 123
155).
ناتي الان الى الفصل الثالث والاخير من هذا الكتاب
الذي دار
فيه الحديث حول «الثورة الاسلامية والغزو
الثقافي» في ثلاثة
اقسام:
القسم الاول: نبذة عن تاريخ الغزو الثقافي في ايران.
القسم الثاني: علل الغزو الثقافي المناهض للثورة
الاسلامية
وجذوره.
القسم الثالث: وسائل العدو في الغزو الثقافي المضاد
للثورة
الاسلامية وادواته (ص: 159 249).
خلاصة عامة ومفيدة لمجمل ما جا في الكتاب نجد
ضرورة
ملحة في تثبيت اهم افكار الرؤية المفاهيمية
وعناصرهاالتي
احتوتها مباحثه.. وهي:
اولا: التركيز الدائم على اسلامية الايرانيين،
وضرورة تعلمهم
من المحيط الحضاري الذي يعيشون فيه، ويتفاعلون
معه،اي
ان صفة الايرانية او الاسلامية، او اية صفة اخرى،
يجب الا تمنع
الانسان من التعلم والانفتاح على الاخرين في
مواقع قوتهم، في
افكارهم الجيدة، وطروحاتهم المفيدة للانسانية
جمعا.
ثانيا: التفريق بين مقولتي «الغزو» و«التبادل»
باعتبار ان الغزو
يعني اجتثاث اصول الثقافة الخاصة والقضا عليها
نهائيا، اوعلى
الاقل النظر اليها بوصفها ثقافة هامشية (لا مركزية)
في مقابل
اعتبار الثقافة الغربية هي الثقافة المركزية
الوحيدة المؤهلة
لقيادة العالم. بينما تعني مقولة «التبادل» ضرورة
الانفتاح
الواعي والمدروس على الاخر، ومد جسور
التعاون والتواصل
الثقافي والحضاري معه من موقع الندية والتكافؤ لا
من موقع
المحاكاة والتماهي والذوبان في منظومته الروحية
والمفاهيمية.
ثالثا: اذا كان الغرب مسؤولا عن المقدمات الاساسية
لاليات هذا
الغزو واساليبه، فان المسلمين مسؤولون بشكل
اكبرعنه،
ويتحملون قسطا اوفر من مسؤولية هزائمهم وسقوط
مشاريعهم التحديثية في هذا المجال. لاننا بوصفنا
مسلمين
آنهيى له (للغرب) الاساليب والاليات المناسبة التي
تمنحه
مساحة واسعة من حرية الحركة والامتداد على اراضينا
من خلال تضعيفنا لانفسنا. فلضعفنا، وبضعفنا يحدث
الغزو،
وينمو، ويكبر، ومن ثم ينتشر.
رابعا: نحن نعترف بوجود الغرب بوصفه قوة حضارية
متقدمة
علينا في علومها وصناعاتها وتقنياتها، وقد
يمتلك اصحابها
افكارا واشيا افضل مما هو موجود في دائرتنا
الحضارية
الاسلامية، لذلك فالمطلوب هو ان نحث الخط ى،ونشمر
عن
السواعد، ونتغلب على الصعاب، ثم ننطلق باتجاه
امتلاك
عناصر تقدم تلك الحضارة وتطبيقاتها وادواتها
من خلال ارادتنا
الواعية والحرة، ومن دون قسر او اكراه.
مما تقدم يبدو لنا ان عناصر تلك الرؤية الموضوعية
المتوازنة
لمسالة حساسة وخطيرة كمسالة «الغزو
الثقافي والاعلامي»
تعبر عن متابعة حركية دؤوبة وحية، ونابضة بالحس
الواعي
والمسؤول لجميع ملفات الواقع الحضاري الاسلامي
والانساني
المعاش حاليا واجوائه، في ظل مناخ سياسي واجتماعي
واعلامي عالمي يعمل على تاصيل نزعات الدمار
والخراب، وقيم
الفردية، والتعصب، والدوران حول محور الغرائز
والانانيات،
ومحاولة تعميق ثقافة الكسل والاسترخا والجمود
بين الشعوب
المستضعفة جميعها.
ولهذا وجدنا الكتاب يتعامل مع قضية «الغزو
الثقافي» من خلال
اعتبارها حقيقة واقعة لا مفر امامنا من ضرورة
وعيهاودراستها
وتحليلها علميا وموضوعيا، والاسراع الى اتخاذ
الاجراات
العملية المناسبة لمواجهتها، والتخلص من
آثارهاالسلبية
واجوائها الضاغطة على الفكر والانسان في عالمنا
الاسلامي،
طبعا ليس بالانغلاق على النفس والتقوقع
على الذات، ولكن
بتعميق قيم الانفتاح الواعي والتواصل الممنهج
والمدروس مع
الاخر. وهذه نقطة ايجابية لمصلحة الكتاب الذي قلنا
عنه سابقا
بان مؤلفه يميز تمييزا واضحا وذكيا بين مقولتي
«التبادل»
و«الغزو»، ومقولتي «الانفتاح»و«الانغلاق».
وفي هذا السياق نؤكد على مسالة (نقدية) مهمة جدا،
وهي انه
يجب علينا جميعا خصوصا من هم في مواقع المسؤولية
والعمل الرسالي الا نستغرق كثيرا في الحديث عن
مقولة
«الغزو» بحيث تتحول، امام اجيالنا، من كونها
مظهراسلبيا
يجب وعي معطياته الداخلية ومحاولة تطويق اسسه
ومرتكزاته
في مواقعها الاولى الى حالة في النفس تتحرك في
الداخل
الشعوري والوجداني لتلك الاجيال الصاعدة التي
تمتلك
طاقات ومواهب هائلة بوصفها عقدة مرضية اوعاهة
نفسية
مستديمة لا شفا منها، بحيث تبدو الغاية الاساسية
لها في
التمويه على الواقع الفاسد والظالم، والاختباخلف
مقولات
«المواجهة» و«التحدي» و«الدفاع عن الذات»
لتمرير مشاريع
وصفقات خاصة مشبوهة يمكن ان تتحرك في داخل اجوائنا
الاسلامية لتسقط وعينا الاسلامي الفعال بديننا
ومبادئنا
ومشروعنا الحضاري الانساني.
وهذا امر واقعي وطبيعي يمكن ان تعاني منه اية حضارة
او امة،
اذ ان هناك على مستوى امتنا العربية والاسلامية
كثيرامن
المؤسسات والاشخاص والمواقع الكبيرة ممن ينتمون
اسميا
الى تلك الامة، ويمارسون عملهم في
مواقع المسؤولية العالية
يحاولون التستر خلف تلك الشعارات، والاختبا ورا
تلك
المقولات الصحيحة والمحقة بهدف رعاية مصالحهم،
وتثبيت
اقدامهم وقواعدهم المهتزة هنا وهناك.
لذلك وفي مقابل تصحيح رؤية الوضع العام السائد
حاليا
بخصوص تلك القضايا لابد من مراعاة جانب
التفاهم الثقافي
والحوار الحضاري مع الاخر في عالم متداخل ومتشعب،
فيه
الكثير من الثقافات المتنوعة المنتشرة في كل حدب
وصوب.
ونحن طبعا نؤكد على اهمية هذه النقطة بالرغم من
وجود
الكثير من النخب الثقافية والسياسية التي تشكك
اصلا
بمصداقية هذا التوجه الهادف والمسؤول.
وبطبيعة الحال، يجب ان نفهم بان المعنى الحقيقي
لمفهوم
«التبادل» و«التفاهم» الثقافي والحضاري مع
الاخر لا
يعني مطلقا ان نقلده، لان تقليده لن يتيح لنا سوى
التشويه
والانحراف والغا الانا الحضارية والثقافية
الخاصة بنا (وهذا
مايريده الغرب اساسا)، وكذلك لا يعني ان نقفز فوق
منجزات
الحضارة الغربية وتطبيقاتها كما ذكرنا سابقا ولكنه
يعني
آفي احد تعبيراته ان نستجيب فعليا للتحديات التي
تواجهنا
من خلال الخروج من حالة القصور والعجز المطبق،
الذي نعايشه، بالتحرر من العادات والقيم والمبادى
البالية التي
تصادر العقل، وتعطل الفكر، وتوقف مسيرة التقدم
والازدهارالحضاري. الحل هو بالحوار والتفاهم
والتصالح
(العلمي) مع الغرب، وفك الارتباط العملي القائم بين
روحانية
هذاالغرب وثقافته من جهة، وعلومه وانجازاته
التقنية
والتكنولوجية من جهة ثانية، تماما كما قامت
اليابان وغيرها
من الدول المتقدمة التي رفضت الاندماج والذوبان
في الثقافات
الاخرى بتحمل مسؤولية بنا ذاتها الحضارية
وفق مناهجها
وثوابتها التاريخية، وانطلقت لتصنع عالميتها من
خلال
خصوصيتها الثقافية.
لذلك علينا ان نعمل على تعميق الممارسة الابداعية
لثقافتنا
الاسلامية وهويتنا الحضارية على نحو فاعل
ومنتج وخلاق يفتح
امامنا السبل والمجالات الواسعة من اجل ان نصنع
حداثتنا،
ونبرز عالميتنا بما يتناسب مع وضعنا وذاتناونسيجنا
التاريخي
والعقائدي الاسلامي.
وبالنتيجة، نحن اصحاب ثقافة عالمية وحضارة كونية،
رضينا
بذلك ام لم نرض. فنحن نشهد احداث العالم، ونتفاعل
مع اوضاعه ومجرياته كبيرها وصغيرها. اي اننا نشارك
في
الحركية العالمية لهذا العصر الكوني بصورة من
الصور،
كماتشارك سائر الامم والدول فيه، مع فارق اساسي،
وهو ان
كل مجتمع يمارس عالميته انطلاقا من خصوصيته
(رؤيته الكونية) المنتجة والقادرة على المساهمة في
عملية
التجديد والابداع الحضاري العالمي.
وبديهي جدا ان نؤكد هنا ان عالمية الحضارة وضرورة
تفاعلها
مع الحضارات الاخرى لا تلغي امكانية وجود
اجواللصراع او
للتنافس (الانتقام) الحضاري بين الامم الحضارية
البشرية على
امتداد الساحة الكونية الكبرى، وفي هذاالمجال، من
الطبيعي
ان يكون للغزو الثقافي والاعلامي خصوصا في عصر
العولمة،
ومجتمعات الثورة المعلوماتية الحالية دور اساسي
في هذا
الصراع الكوني.
من هنا نؤكد على ضرورة ان تمارس حضارتنا الاسلامية
التي
ساهمت في عملية النمو والابداع الحضاري العالمي
في ما
مضى من التاريخ الانساني خصوصيتها الشاملة على نحو
فاعل
وخلاق يتيح لها ان تواجه بقوة مقولة «الغزو»
آوغيرها من
مقولات الصراع والتنافس وقضاياهما وتصنع حداثتها
الاسلامية، وتبرز عالميتها الانسانية، وتؤكد
حضورهاالفعال،
وتنشر سلطانها، وتعمم خصائصها.
ان مواجهة غزو الاخر المتفوق علميا وصناعيا لا تكون
كما
اسلفنا بالتقوقع على الذات، والانغلاق على
قيمهاوتعاليمها
الخاصة، او ممارسة هذه الخصوصية بطريقة تتاكد فيها
هامشيتها، ويسا فهمها، كما هو شان
مجتمعاتناوبلداننا
الاسلامية التي اذا ارادت ان تصنع حدثا، فانها
تنطلق لابراز قوة
الاخر وضخامته بما قد يسقط نفسيا وواقعيا آمعالم
الممانعة
الحية لدينا وعناصرها، الامر الذي سرعان ما يرتد
علينا وبالا
ونكالا. وقد جعل هذا الامر معظم سياساتناالداخلية
والخارجية
سلسلة متواصلة من الاخطا والكوارث والازمات.
اننا نؤكد مع الكتاب ان «الغزو الثقافي» مسالة
واقعية، لها
جذورها واجواؤها المسيطرة حاليا، ولا نستطيع ان
نهرب
من مواجهتها، وفيها يتحرك الغرب مدعوما
باديولوجية شاملة
معززة بسلطات معرفية هائلة، وبمختلف ضروب
القوة الثقافية
والعسكرية والاقتصادية من اجل تنصيب
«ايديولوجيته» عن
طريق الغزو خيارا وحيدا للبشرية كافة.وبالمقابل
نجد ان
عالمية حضارتنا وانسانيتها هي مسؤولية خطيرة
وجسيمة
ملقاة على عاتقنا جميعا، ولا يمكنناالتهرب منها،
فاما ان
نتحملها، ونحسن اداها، وممارستها على طريق اسقاط
مقولات الصراع ومنها مقولة «الغزوالثقافي» او
ننعزل وننكفى
وننحو باللائمة على الغرب واهله.
من هنا ينبغي علينا ان نعمل في سياق انتاج القوة
الفكرية
والعلمية للنهوض بواقعنا ومواجهة الاخر انفاذا
لقوله
تعالى:(واعدوا لهم ما استطعتم من قوة. .) [الانفال:60]
على
اساس ان ننتج حلولا لقضايا الانسان المعاصر، حتى
نستطيع
ان نواجه المشكلة بالحلول الواقعية التي نمتلكها
من تراثنا ومن
واقعنا الراهن، من اجل صنع عالم اسلامي مثقف
بالاسلام في ما
يحتاجه الاسلام من الثقافة المعاصرة، لان وجود
معرفة وثقافة
اسلامية عاشت في ما مضى من الزمان لا
يكفي للانتقال الى
مرحلة حضارية جديدة، لان المثقفين الاسلاميين في
الواقع
الثقافي الماضي كانوا يعالجون مشاكل ذلك العصر
وتحدياته بما
لديهم من ثقافة ومخزون فكري، وقد انتج العصر الحالي
مشاكل وقضايا حياتية كثيرة، فلابد لنا من ان نعرف
كيف يمكن
ان نواجه هذه التحديات العصرية المتنوعة بعقلية
اسلامية
معاصرة، تعرف كيف تنطلق المشكلة،وما هي اهدافها
ودوافعها،
وطرق علاجها! وهذا الكلام لا يفترض بنا ان نسقط امام
العصر،
ونخضع لمقولاته وتعقيداته واجوائه السلبية، بل ان
نعرف ماذا
في داخله، ليكون لنا حس معاصرته، لاننا اذا عرفنا
الدا لابد
من ان نعرف الدوا.وهذا امر لن يتم ما لم نعرف لغة
هذا العصر،
وذهنيته. وذلك من خلال ان ننزل الى ارض الواقع،
ونعايش
التجربة الانسانية الحية في مواقع انطلاقتها
وامتدادها، لا ان
نبقى بعيدين عنه (عن العصر)، ومنغلقين على انفسنا
بداعي الحرص الشديد على نقاوتنا وطهارتنا،
والحفاظ على
اصالتنا وحضارتنا، والخوف الشديد على ذاتنا من غزو
الاخر.
|